لبنان في قلب المواجهة: هل تسعى إسرائيل لإفشال أي اتفاق إقليمي؟

05/31/2026 - 11:22 AM

A

 

 

 

ادريس احميد *

لم تعد المواجهة الدائرة في المنطقة مجرد حرب عسكرية تقليدية بين إسرائيل وفصائل مسلحة، بل تحولت تدريجيًا إلى صراع استراتيجي مفتوح يهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق موازين قوة جديدة. وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان مرة أخرى كأحد أكثر الساحات هشاشة، يدفع ثمن صراع يتجاوز حدوده وإمكاناته، في ظل استمرار إسرائيل في حربها التي تحمل أبعادًا تتجاوز الأمن المباشر، لتصل إلى تصفية الحسابات مع إيران ونفوذها الإقليمي.

فمنذ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، دخل لبنان مرحلة جديدة من الصراع، حيث برزت قوى المقاومة كخيار فرضته طبيعة الاحتلال الإسرائيلي وسياساته التوسعية. وفي هذا السياق، لعبت إيران دورًا بارزًا في دعم المقاومة اللبنانية سياسيًا وعسكريًا، واستمر هذا الدعم لسنوات طويلة حتى تمكنت المقاومة من تحرير جنوب لبنان عام 2000، في حدث اعتُبر تحولًا تاريخيًا في مسار الصراع العربي الإسرائيلي.

ومنذ ذلك الوقت، تنظر إسرائيل إلى باعتباره أحد أخطر التحديات الأمنية والعسكرية على حدودها الشمالية، ليس فقط بسبب قدراته العسكرية، بل لأنه نجح في فرض معادلة ردع حدّت من حرية الحركة الإسرائيلية داخل لبنان.

إيران هي من دعمت المقاومة اللبنانية في أصعب الظروف، بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وقد ساهم هذا الدعم السياسي والعسكري في تعزيز قدرة المقاومة على الصمود، وصولًا إلى تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000. ولذلك، من الطبيعي أن تحافظ طهران على تحالفها مع حزب الله، باعتبار أن العلاقة بين الطرفين تأسست في سياق مواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

كما أن ما تعتبره إيران وحلفاؤها نجاحًا في إفشال جزء من الأهداف الإسرائيلية خلال المواجهات الأخيرة، بعد التصعيد والعدوان على إيران، عزّز من تمسك هذا التحالف بخيار المواجهة والردع، في ظل قناعة مشتركة بأن إسرائيل لا تزال تسعى إلى فرض مشروعها التوسعي وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بالقوة العسكرية.

وترى إسرائيل أن التهديد الإيراني لا يتمثل فقط في البرنامج النووي، بل في شبكة النفوذ الممتدة عبر المنطقة، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن. ولهذا، فإن أي مواجهة مع إيران لا تُخاض داخل الأراضي الإيرانية وحدها، بل عبر استهداف حلفائها وأدوات نفوذها في الإقليم، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان.

الحرب الحالية كشفت بوضوح أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق أهداف تتجاوز الرد العسكري المباشر، فهي تعمل على استنزاف البنية العسكرية واللوجستية للمقاومة، وإضعاف البيئة الحاضنة لها، ومنع إيران من تثبيت معادلة ردع إقليمية على حدودها الشمالية. كما تحاول فرض واقع أمني جديد يضمن لها حرية الحركة العسكرية والسياسية في المنطقة، في إطار مشروع أوسع يرتبط بإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تبدو حكومة غير مستعدة للتوقف عن الحروب أو القبول بتسويات لا تحقق أهدافها الاستراتيجية. فاستمرار التصعيد بات مرتبطًا أيضًا بمصير نتنياهو السياسي الداخلي، الذي يواجه أزمات وضغوطًا متزايدة، ما يجعل من استمرار الحرب وسيلة للهروب إلى الأمام، ومحاولة لإعادة ترميم صورة الردع الإسرائيلي بعد الهزات التي تعرضت لها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

كما يرى كثير من المراقبين أن إسرائيل والولايات المتحدة تلقتا ضربات سياسية وعسكرية غير مباشرة من إيران وحلفائها في المنطقة، سواء من خلال تنامي قدرات حزب الله، أو اتساع النفوذ الإيراني الإقليمي، الأمر الذي جعل تل أبيب تنظر إلى أي تهدئة أو اتفاق مع طهران باعتباره تهديدًا لمشروعها الاستراتيجي والتوسعي في المنطقة.

ولهذا، لا تبدو إسرائيل متحمسة لأي مسار يؤدي إلى وقف الحرب أو تثبيت تهدئة طويلة الأمد، بل تسعى أحيانًا إلى توسيع دائرة المواجهة، وربما جرّ الولايات المتحدة إلى صدام أوسع مع إيران، عبر تخريب أي اتفاقات أو تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران، لأن نجاح مثل هذه التفاهمات قد يمنح إيران مساحة أكبر لترسيخ نفوذها الإقليمي.

ومن هنا، يبرز القلق المتزايد بشأن مستقبل الاتفاق الأمريكي–الإيراني، الذي يبدو مهددًا في ظل ارتباطه المباشر بالملف الإيراني الإقليمي، وبمحاولة إسرائيل إفشال أي مسار قد يؤدي إلى تخفيف التوتر أو إعادة ترتيب العلاقات بين واشنطن وطهران. فإسرائيل تدرك أن أي تفاهم أمريكي–إيراني قد يحدّ من قدرتها على فرض رؤيتها الأمنية والسياسية في المنطقة.

لكن الأخطر في المشهد الحالي أن التصعيد الإسرائيلي بات يحمل ملامح حالة من الهلع السياسي والعسكري، بعد فشل جزء من المخططات الإسرائيلية في تحقيق أهداف حاسمة وسريعة. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري والدعم الغربي الكبير، لم تتمكن من إنهاء النفوذ الإيراني أو كسر معادلة الردع بصورة كاملة، وهو ما يدفعها إلى مواصلة الحرب والبحث عن أي إنجاز يمكن تقديمه للرأي العام الإسرائيلي.

ويبدو أن حكومة نتنياهو تدرك أن أي توقف للحرب دون نتائج واضحة قد يهدد مستقبلها السياسي، في ظل تصاعد المعارضة الداخلية والانتقادات المتزايدة لإدارة الحرب، الأمر الذي يجعل التصعيد المستمر محاولة للهروب من أزمة داخلية عميقة تهدد استقرار الحكومة نفسها.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر التصعيد الإسرائيلي على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى محاولة خلق أزمة لبنانية داخلية وخلط الأوراق السياسية والطائفية، عبر دفع البلاد نحو مزيد من الانقسام حول دور السلاح، ومستقبل المقاومة، وطبيعة العلاقة مع إيران والمحاور الإقليمية.

غير أن الحديث عن سلاح المقاومة بوصفه المشكلة الأساسية في لبنان، يظل محل رفض لدى شريحة واسعة ترى أن هذا السلاح جاء أساسًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة على لبنان، وأن إسرائيل لم تلتزم يومًا بعهد أو ميثاق يضمن للبنان الأمن أو الاستقرار، بل استمرت في انتهاكاتها وتهديداتها وسياساتها التوسعية.

وفي هذا السياق، ترى شريحة واسعة من اللبنانيين أن سلاح المقاومة لم يكن يومًا مشروعًا داخليًا مرتبطًا بالصراع السياسي اللبناني فقط، بل جاء في الأساس كرد فعل على الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وأن استمرار التهديدات الإسرائيلية للبنان، والتصريحات التي تتحدث عن تدمير المدن اللبنانية، يعزز القناعة لدى أنصار المقاومة بأن عامل الردع لا يزال ضروريًا في ظل غياب أي ضمانات حقيقية لوقف المشروع الإسرائيلي التوسعي.

كما يزداد القلق في ظل التصريحات الإسرائيلية المتشددة، التي تتحدث عن إمكانية تدمير المدن اللبنانية وتحويل لبنان إلى ساحة دمار واسعة، في تكرار لسيناريوهات شهدتها المنطقة سابقًا. وهذا ما يثير تساؤلات حقيقية حول ما إذا كان لبنان مقبلًا على نموذج شبيه بما حدث في غزة، من حيث حجم التدمير والاستهداف الواسع للبنية التحتية والضغط على البيئة المدنية.

فإذا استمرت إسرائيل في سياسة التصعيد المفتوح، ومع غياب أي تسوية سياسية قريبة، فإن لبنان قد يواجه عدة سيناريوهات خطيرة، أولها توسع الحرب إلى مواجهة شاملة تؤدي إلى دمار واسع في الجنوب وربما في مناطق لبنانية أخرى، خاصة في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والانقسام السياسي الداخلي.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار حرب الاستنزاف الطويلة، بحيث تبقى المواجهات قائمة بوتيرة متقطعة، مع استنزاف جميع الأطراف وإبقاء لبنان في حالة شلل اقتصادي وأمني دائم.

في حين يبقى السيناريو الأخطر هو توسع المواجهة إقليميًا، عبر انخراط أطراف أخرى بصورة مباشرة، ما قد يحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة تتجاوز لبنان وغزة لتشمل أكثر من جبهة.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى التمسك بفكرة الحل اللبناني–اللبناني ضرورة أساسية لحماية البلاد من الانهيار الكامل، بعيدًا عن التدخلات الخارجية وصراعات المحاور. فلبنان بحاجة إلى توافق وطني داخلي يحافظ على سيادته ووحدته، ويمنع تحويله إلى ساحة مفتوحة للحروب الإقليمية والدولية.

ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع اللبنانيون إنتاج صيغة وطنية تحمي بلدهم من الانفجار الكبير، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الحروب المفتوحة التي قد تعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة؟

 

*  صحفي وباحث في الشأن السياسي 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment