الدبلوماسية العملياتية في النزاع اللبناني الإسرائيلي حين تتحول طاولة التفاوض إلى مساحة عسكرية

05/31/2026 - 10:49 AM

Arab American Target

 

 

الاعلامبة سيلفانا سمعان

لم يعد التفاوض في النزاعات عالية الحساسية يُفهم بوصفه امتداداً مباشراً للعمل السياسي، بل بات يُدار بشكل متزايد كآلية وسيطة بين المستويين السياسي والميداني، تعيد تنظيم العلاقة بين أدوات القوة وأطر التفاوض. وتشير المحادثات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية التي عُقدت في واشنطن إلى تطور في بنية إدارة النزاعات نحو نمط يمكن وصفه بالدبلوماسية العملياتية، حيث تُستخدم القنوات التفاوضية بشكل أساسي لضبط الاستقرار الميداني وإدارة مخاطر التصعيد، أكثر من كونها مساراً مباشراً نحو تسوية نهائية. ويعكس هذا التحول اتساع دور المؤسسات العسكرية في بيئات تتسم بتعقيد قواعد الاشتباك وتراجع قابلية إنتاج تسويات سياسية شاملة.

يتكوّن الوفد اللبناني من ستة ضباط من الجيش اللبناني: مدير العمليات ورئيس الوفد: العميد الركن جورج رزق الله، مدير إدارة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني: العميد الركن زياد رزق الله، العميد شادي أبو كروم، العميد المهندس وائل عباس، العقيد مازن الحاج، والعقيد وديع رافول، إضافة إلى تنسيق مؤسسي مرتبط بالمهام العسكرية الدبلوماسية عبر العميد أوليفر حكيم. ويعكس هذا التكوين منطقاً مؤسسياً يقوم على التخصص الوظيفي داخل الدولة، أكثر من اعتماده على التمثيل السياسي التقليدي.

يشغل العميد الركن جورج رزق الله موقع مدير العمليات في الجيش اللبناني، وهو موقع يتيح الربط المباشر بين تقييم المعطيات الميدانية وصياغة الخيارات التنفيذية، بما يضعه في قلب عملية تحويل القراءة العملياتية إلى مدخل تفاوضي.

ضمن هذا الإطار، تُفهم مشاركة العميد الركن زياد رزق الله بوصفها إدخالاً منظماً للبعد القانوني المعياري داخل بيئة تفاوض ذات طابع عملياتي. فموقعه في مديرية حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يعكس حضور الاعتبارات الناظمة للسلوك العسكري ضمن نقاشات تتصل بقواعد الاشتباك وإدارة التماس، بما يدمج الإطار القانوني في آلية العمل التفاوضي بدل إبقائه خارجها. ويشير ذلك إلى مقاربة مؤسسية تعتبر أن إدارة الفعل الميداني لا تنفصل بالكامل عن هندسة القيود القانونية التي تحكمه، وإن كانت هذه العلاقة تظل مشروطة بطبيعة السياق العملياتي وحدود التفويض السياسي.

كما يضم الوفد العميد المهندس وائل عباس، بما يشير إلى إدماج الاعتبارات الهندسية التقنية في ملفات تتعلق بالبنية العسكرية وإدارة نقاط التماس وإعادة تنظيمها. في المقابل، يساهم العقيدان مازن الحاج ووديع رافول في ربط مستويات التخطيط بآليات التنفيذ والمتابعة، بما يعزز الطابع التشغيلي للوفد كوحدة متعددة الوظائف.

من منظور بنيوي، لا يمكن النظر إلى الوفد بوصفه تمثيلاً عسكرياً تقليدياً، بل كترتيب مؤسسي يعكس تقاطعاً متزايداً بين الوظائف العسكرية والدبلوماسية في إدارة النزاعات منخفضة التسوية. وفي هذا السياق، تتجه عملية التفاوض نحو التركيز على ضبط التفاعل الميداني ومنع التصعيد، ضمن إطار تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والعملياتية.

وتُظهر الأدبيات المقارنة لإدارة النزاعات أن هذا النمط يبرز في السياقات التي تتسم بارتفاع مستوى الاحتكاك الميداني وتراجع قابلية الحسم السياسي، حيث تتحول آليات التفاوض إلى أدوات لإدارة الاستقرار أكثر من كونها وسيلة لإنهاء النزاع.

في الحالة اللبنانية، يعكس هذا المسار إعادة تموضع تدريجية للمؤسسة العسكرية داخل بنية الدولة بوصفها فاعلاً في إنتاج ترتيبات الأمن الحدودي. ويشير إدراج ضباط من مديرية العمليات وهيئة الأركان في هذا المستوى من التفاعل إلى انتقال جزئي في بعض وظائف القرار التنفيذي نحو المستوى العسكري، ضمن إطار مؤسسي يبقى خاضعاً في النهاية للمرجعية السياسية.

غير أن هذا التحول يطرح إشكالات تتعلق بتوازن العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري، ولا سيما في ما يتصل بحدود التفويض وآليات ضبط القرار التقني داخل سياقات تفاوضية عالية الحساسية.

في المحصلة، تعكس محادثات واشنطن اتجاهاً نحو إعادة تعريف وظيفة التفاوض في النزاعات المعقدة، بحيث لا يعود محصوراً في إنتاج التسويات، بل يمتد إلى إدارة شروط الاستقرار. ويظل مدى استدامة هذا النموذج مفتوحاً على تطور التوازن بين الاعتبارات السياسية والعملياتية في المرحلة المقبلة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment