التاريخ بين العبرة والفتنة

05/31/2026 - 07:31 AM

A

 

 

 رشيد ج. مينا

كثيرًا ما يجول في خاطري التفكير في التاريخ والهدف من استحضاره، لا سيما في واقعنا العربي والإسلامي. هل يشكل التاريخ نعمة أم نقمة؟ وهل استدعاؤه المستمر نابع من حاجة داخلية طبيعية لفهم الذات واستخلاص الدروس والعبر، أم أنه أصبح جزءًا من عملية استثمار سياسي وثقافي وفكري تتداخل فيها مصالح وقوى تتجاوز حدود المساحة العربية والإسلامية؟

إذا عدنا إلى المنطق، نجد أن التاريخ ليس سردية واحدة، ولا يقتصر على الحروب والصراعات السياسية والعسكرية أو الأطماع في التوسع والهيمنة والإخضاع. فالتاريخ هو أيضًا تاريخ الفكر والعلم والثقافة والاجتماع والاقتصاد، وتاريخ التجارب الإنسانية بما حملته من نجاحات وإخفاقات.

غير أن الملاحظ في واقعنا العربي والإسلامي أن جزءًا كبيرًا من استحضار التاريخ لا يتجه نحو هذه الجوانب، بل يتركز على الأحداث والخلافات والصراعات التي وقعت في محطات معينة، وكأن الزمن توقف عندها ولم يتحرك بعدها.

وحتى في السرديات الدينية الإسلامية، نجد أن بعض الاجتهادات أو الوقائع التاريخية أو الروايات المنقولة، على اختلاف توصيفاتها وتصنيفاتها بين الصحيح والضعيف، أصبحت عند البعض أكثر حضورًا وتأثيرًا من جوهر الرسالة القرآنية نفسها. بل إن بعض تلك الروايات أو الوقائع التاريخية تتحول أحيانًا إلى مرجع يُحتكم إليه في بناء المواقف والأحكام أكثر مما يُحتكم إلى القرآن الكريم، الذي أجمع المسلمون على أنه كتاب الله المحفوظ من التحريف والتزييف.

ومن هنا يبرز السؤال: لماذا يتم استحضار التاريخ بهذه الكثافة والانتقائية؟ ولماذا يجري التركيز على الأحداث التي تثير الخلاف أكثر مما يجري التركيز على ما يجمع ويوحد؟

فلو كان الهدف من استحضار التاريخ أخذ الدروس والعبر، وتجنب تكرار المآسي، والبناء على ما فيه من إيجابيات، لكان ذلك أمرًا طبيعيًا وضروريًا لكل أمة تسعى إلى التقدم. لكن ما نشهده في كثير من الأحيان هو استحضار انتقائي لأحداث الماضي بهدف إعادة إنتاج الخلافات القديمة، وتعميق الانقسامات، والاستثمار في الاختلافات المذهبية والسياسية والفكرية.

وهنا يصبح من المشروع التساؤل: هل هذا الاستحضار الدائم للتاريخ نابع فقط من حاجة داخلية، أم أن هناك أيضًا من وجد في هذه الانقسامات فرصة للاستثمار فيها وتوظيفها خدمة لمصالحه وأهدافه؟

فما أسهل السيطرة على مجتمعات منقسمة، وما أصعب التأثير في أمة تمتلك رؤية مشتركة لمستقبلها. ولذلك لا يبدو مستغربًا أن يبقى التركيز قائمًا على كل ما يفرق ويزرع الشكوك والمخاوف المتبادلة، في حين يتم إهمال الكثير من المحطات المضيئة التي يمكن أن تشكل عناصر وحدة وتلاقي.

وهنا تبرز إشكالية أخرى لا تقل أهمية. هل تمتلك الدول العربية كتاب تاريخ موحدًا يُدرّس للأجيال؟ وهل تتشابه مناهج التعليم في قراءتها للتاريخ العربي والإسلامي؟ وهل تخضع مادة الدين لمقاربات متقاربة في جوهرها ومقاصدها الكبرى رغم أن المرجعية الأساسية واحدة؟

إن اختلاف السرديات ليس مشكلة بحد ذاته، فالتاريخ بطبيعته قابل للقراءات المتعددة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القراءات إلى أدوات تعبئة وتحريض وصناعة انقسام، بدل أن تكون وسيلة لفهم التجربة الإنسانية واستخلاص العبر منها.

ماذا لو أن الأمم الأخرى بقيت أسيرة تاريخها؟ ماذا لو أن الأوروبيين ظلوا حتى اليوم يستحضرون حروبهم الدينية وصراعاتهم القديمة باعتبارها معارك قائمة ومستمرة؟ وماذا لو بقيت شعوب كثيرة سجينة أحداث الماضي بدل أن تتطلع إلى المستقبل؟

من المرجح أن كثيرًا من تلك الأمم ما كانت لتتمكن من بناء دولها الحديثة، أو تطوير اقتصاداتها ومؤسساتها، أو تحقيق مستويات التقدم التي وصلت إليها. فالتاريخ كان بالنسبة لها مصدرًا للتعلم واستخلاص الدروس، لا قيدًا يكبل الحاضر والمستقبل.

أما في عالمنا العربي، فعلى الرغم من وجود دول مستقلة ذات سيادة ومعترف بها دوليًا، فإن الانقسامات والتشرذم لا تزال تتعمق كلما جرى استحضار أحداث الماضي بصورة انتقائية، بحيث يُؤخذ منها ما يفرق ولا يجمع، وما يزرع الخوف من الآخر ولا يعزز الثقة به، وما يوسع مسافات التباعد بدل أن يفتح أبواب التلاقي.

ولعل ما تحتاجه الأمة العربية اليوم ليس الدعوة إلى قيام دولة عربية واحدة في ظل غياب الظروف الملائمة والواقعية لتحقيقها، ولا إطلاق الشعارات الكبرى التي تتجاوز إمكانات الواقع، بل خطوات عملية وجادة نحو إبطال مفعول الاستثمار السلبي في التاريخ، وتحويله إلى مصدر للعبرة والمعرفة لا إلى وقود دائم للصراعات.

وقد يكون من المفيد التفكير في بناء مناهج تعليمية أكثر تقاربًا، تتناول التاريخ العربي والإسلامي برؤية علمية متوازنة، وتبرز عناصر الوحدة بقدر ما تعرض عناصر الاختلاف. كما أن التقدم التدريجي نحو توحيد بعض القوانين المرتبطة بالأحوال الشخصية والإقامة والعمل والاستثمار، وتسهيل حركة الأفراد ورؤوس الأموال والخبرات بين الدول العربية، يمكن أن يشكل مدخلًا واقعيًا لتعزيز التقارب والتكامل.

أما أشكال الأنظمة السياسية وكيفية ممارسة السلطة، فهي مسائل ترتبط بإرادة شعوب كل دولة وخياراتها الخاصة. كما أن الوصول إلى أي شكل من أشكال الوحدة أو الاتحاد لا يمكن أن يتحقق بقرارات فوقية أو عبر فرض الإرادات، بل من خلال مسار طبيعي من التطور والوعي والحاجة المتبادلة والإرادة الشعبية الحرة.

إن التاريخ لا يصبح نعمة أو نقمة بذاته، بل بطريقة التعامل معه. فهو نعمة حين يكون مصدرًا للفهم والعبرة واستخلاص الدروس، ويتحول إلى نقمة عندما يصبح وسيلة لإحياء الصراعات واستحضار الأحقاد وتكريس الانقسامات.

فالأمم لا تُبنى بالعيش في الماضي، ولا بإنكار الماضي، بل بفهمه وتجاوزه والبناء عليه. والتاريخ الذي يستحق أن نحمله معنا إلى المستقبل هو التاريخ الذي يوحد ولا يفرق، ويعلم ولا يحرض، ويمنح الأجيال القدرة على صناعة غدٍ أفضل بدل إبقائها أسيرة أحداث مضت وانتهت.

ولعل التحدي الحقيقي أمام أمتنا اليوم ليس في استحضار التاريخ، بل في امتلاك الشجاعة الكافية لتحويله من ساحة صراع إلى جسر عبور نحو المستقبل.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment