محادثات البنتاغون تفتح مساراً جديداً بين لبنان وإسرائيل
واشنطن – تحقيق من اعداد جورج ديب
في تطور يُعد من أبرز التحركات الدبلوماسية والأمنية المتعلقة بالحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ سنوات، استضافت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الجمعة، محادثات مباشرة وغير مسبوقة بين ممثلين عن الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، في خطوة تعكس حجم الانخراط الأميركي المتزايد في إدارة الأزمة الحدودية بين الطرفين ومحاولة تحويل التهدئة الهشة إلى ترتيبات أمنية أكثر استدامة.
وتأتي هذه المحادثات ضمن مسار أمني موازٍ للمفاوضات السياسية التي ترعاها الولايات المتحدة منذ أسابيع، والتي شهدت ثلاث جولات سابقة بين مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين عقب إعلان وقف إطلاق النار في منتصف أبريل (نيسان) الماضي. ومن المقرر أن تستأنف هذه المفاوضات أعمالها خلال جولة جديدة الثلاثاء والأربعاء المقبلين، وسط آمال أميركية بإحراز تقدم نحو اتفاق إطاري شامل يضع أسساً جديدة للأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية للبنان.
غير أن هذه الجهود تواجه اختباراً معقداً يتمثل في استمرار القوات الإسرائيلية في السيطرة على أجزاء من الأراضي اللبنانية، إضافة إلى الملفات المرتبطة بانتشار الجماعات المسلحة وعلى رأسها «حزب الله»، ما يجعل أي اتفاق محتمل رهينة لمعادلات سياسية وعسكرية شديدة الحساسية.
تحول نوعي في طبيعة الاتصالات
على مدى العقود الماضية، اقتصرت الاتصالات العسكرية بين لبنان وإسرائيل على قنوات غير مباشرة، غالباً عبر قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) أو من خلال اجتماعات اللجنة الثلاثية التي كانت تُعقد في الناقورة لمعالجة الحوادث الحدودية.
لكن الاجتماع الذي استضافه البنتاغون يمثل انتقالاً إلى مستوى مختلف من التواصل، إذ جرى تحت رعاية أميركية مباشرة وفي إطار رؤية أوسع لا تقتصر على معالجة الحوادث الميدانية، بل تهدف إلى بناء تفاهمات أمنية طويلة الأمد.
ويرى مراقبون أن اختيار وزارة الدفاع الأميركية مكاناً للمحادثات لم يكن قراراً بروتوكولياً فحسب، بل يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن قررت التعامل مع الملف الحدودي باعتباره أولوية أمنية تستدعي انخراطاً مباشراً من المؤسسة العسكرية الأميركية، وليس فقط من القنوات الدبلوماسية التقليدية.
ويعكس ذلك أيضاً إدراك الإدارة الأميركية أن أي استقرار دائم على الحدود اللبنانية الإسرائيلية لن يتحقق من خلال التفاهمات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى ترتيبات ميدانية وأمنية واضحة وقابلة للتنفيذ.
من التصعيد إلى التهدئة
شهدت الحدود الجنوبية للبنان خلال الأشهر الماضية واحدة من أكثر الفترات توتراً منذ حرب يوليو (تموز) 2006. فمع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع نطاق المواجهات في أكثر من ساحة شرق أوسطية، تحولت الجبهة اللبنانية إلى نقطة اشتباك يومية بين إسرائيل ومجموعات مرتبطة بـ«حزب الله»، حيث تبادل الطرفان عمليات القصف والاستهداف على طول الشريط الحدودي.
وأدت تلك المواجهات إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين من القرى الحدودية اللبنانية والمستوطنات الإسرائيلية الشمالية، كما تسببت بخسائر اقتصادية واسعة ودمار في البنية التحتية والممتلكات الخاصة.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، فإن التهدئة بقيت هشة ومهددة باستمرار، في ظل وقوع حوادث متفرقة واستمرار الخلافات حول الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية.
وتؤكد الحكومة اللبنانية أن أي استقرار دائم يتطلب انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت سيطرتها، فيما تبرر إسرائيل بقاء قواتها في بعض النقاط باعتبارات أمنية مرتبطة بمنع أي تهديدات مستقبلية.
ماذا تريد واشنطن؟
تتحرك الولايات المتحدة حالياً انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن استمرار الوضع الراهن يحمل مخاطر كبيرة على الأمن الإقليمي. فأي انهيار جديد لوقف إطلاق النار قد يؤدي إلى مواجهة واسعة النطاق تتجاوز الحدود اللبنانية الإسرائيلية وتمتد إلى ساحات أخرى في المنطقة، وهو سيناريو تسعى واشنطن إلى تجنبه في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها في الشرق الأوسط.
وتتمثل الأهداف الأميركية الأساسية في عدة نقاط:
أولاً، تثبيت وقف إطلاق النار ومنع العودة إلى المواجهات المفتوحة.
ثانياً، إنشاء آليات اتصال عسكرية مباشرة تسمح باحتواء الحوادث الميدانية قبل تحولها إلى أزمات كبيرة.
ثالثاً، تعزيز دور القوات الدولية في مراقبة الوضع الأمني.
رابعاً، التوصل إلى ترتيبات تضمن خفض مستوى التوتر العسكري على جانبي الحدود.
خامساً، توفير بيئة مستقرة تسمح بإعادة السكان النازحين إلى مناطقهم واستئناف النشاط الاقتصادي الطبيعي.
ويقول خبراء إن الإدارة الأميركية تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع اشتعال جبهات إضافية في المنطقة، خصوصاً في ظل الترابط المتزايد بين الأزمات الإقليمية المختلفة.
اتفاق إطار قيد البحث
بحسب معلومات متداولة في الأوساط الدبلوماسية، تركز المفاوضات الحالية على صياغة اتفاق إطار لا يشكل تسوية سياسية نهائية، وإنما يضع مجموعة من المبادئ والقواعد المنظمة للوضع الأمني.
ويتضمن الاتفاق المقترح عدداً من البنود المحتملة، من بينها:
- تثبيت آليات مراقبة وقف إطلاق النار.
- وضع ترتيبات جديدة للانتشار العسكري قرب الحدود.
- تعزيز صلاحيات وآليات عمل القوات الدولية.
- إنشاء قنوات اتصال سريعة لمعالجة الحوادث الأمنية.
- تطوير إجراءات مشتركة لمنع التصعيد.
- معالجة بعض القضايا الحدودية العالقة.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطوات قد يمهد لاحقاً لمناقشة ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بالحدود البرية والنقاط المتنازع عليها.
العقدة الكبرى: «حزب الله»
يبقى ملف «حزب الله» التحدي الأكثر تعقيداً أمام أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
فإسرائيل تعتبر أن وجود بنية عسكرية للحزب بالقرب من الحدود يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتطالب بضمانات تمنع عودة الأنشطة العسكرية إلى المناطق الحدودية.
في المقابل، يشكل الحزب جزءاً أساسياً من المشهد السياسي والأمني اللبناني، ما يجعل أي مقاربة لهذا الملف مرتبطة بحسابات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد. ويرى محللون أن واشنطن تحاول حالياً التركيز على القضايا العملية المرتبطة بالاستقرار الحدودي بدلاً من الدخول في الملفات السياسية الأكثر حساسية، إدراكاً منها أن معالجة جميع القضايا دفعة واحدة قد تؤدي إلى إفشال المسار التفاوضي بأكمله.
حسابات لبنان
بالنسبة للبنان، تمثل المفاوضات الحالية فرصة لتثبيت الاستقرار في الجنوب وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى المناطق الحدودية.
كما تسعى بيروت إلى الاستفادة من الدعم الأميركي والدولي للضغط باتجاه انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي لا تزال تحتلها.
غير أن السلطات اللبنانية تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على موقفها السيادي من جهة، وعدم الظهور بمظهر المنخرط في مسار تطبيعي مع إسرائيل من جهة أخرى.
ولهذا السبب تؤكد المصادر اللبنانية باستمرار أن المحادثات الجارية ذات طابع أمني وتقني، وتركز على تطبيق التفاهمات المرتبطة بوقف إطلاق النار والاستقرار الحدودي.
الرؤية الإسرائيلية
أما إسرائيل فتعتبر أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن بصورة واضحة عدم تكرار الظروف التي سمحت بتصاعد التهديدات على حدودها الشمالية خلال السنوات الماضية.
وتطالب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بترتيبات توفر إنذاراً مبكراً وقدرة على احتواء أي نشاط عسكري محتمل قرب الحدود.
كما تنظر تل أبيب إلى نجاح هذه المفاوضات باعتباره فرصة لتقليل احتمالات اندلاع حرب جديدة قد تكون أكثر تكلفة وتعقيداً من المواجهات السابقة.
انعكاسات إقليمية واسعة
لا تقتصر أهمية المفاوضات الحالية على لبنان وإسرائيل فقط، بل تمتد آثارها إلى مجمل التوازنات الإقليمية.
فنجاح الجهود الأميركية قد يرسل إشارة إيجابية إلى إمكانية معالجة النزاعات المزمنة عبر التفاوض والترتيبات الأمنية المرحلية.
كما يمكن أن يساهم في خفض مستويات التوتر في شرق المتوسط ويمنح الأطراف الإقليمية مساحة أكبر للتركيز على الملفات الاقتصادية والتنموية.
أما في حال تعثر المفاوضات، فإن احتمالات العودة إلى المواجهة ستبقى قائمة، خصوصاً في ظل استمرار حالة انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة.
بين التفاؤل والحذر
رغم أن مجرد انعقاد محادثات مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي داخل البنتاغون يعد حدثاً استثنائياً بحد ذاته، فإن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال طويلاً.
فالخلافات المرتبطة بالحدود والسيادة والانتشار العسكري ودور الفاعلين غير الحكوميين لم تُحسم بعد، كما أن التطورات الميدانية قد تؤثر في مسار المفاوضات في أي لحظة.
ومع ذلك، يرى دبلوماسيون غربيون أن استمرار الحوار على المستويين الأمني والسياسي يمثل مؤشراً مهماً على وجود رغبة دولية وإقليمية في منع الانزلاق نحو حرب جديدة.
وفي انتظار الجولة المقبلة من المفاوضات، تبقى الأنظار موجهة إلى ما إذا كانت واشنطن ستنجح في تحويل التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات دائمة، أم أن تعقيدات الواقع الميداني ستعيد المنطقة مجدداً إلى دائرة التصعيد.
وبين هذين الاحتمالين، تبدو محادثات البنتاغون محطة مفصلية قد تحدد شكل العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل خلال المرحلة المقبلة، وتكشف في الوقت نفسه حدود القدرة الأميركية على إدارة واحدة من أكثر الأزمات حساسية وتعقيداً في الشرق الأوسط.













05/30/2026 - 12:56 PM





Comments