رشيد ج. مينا
كثيرة هي التحولات التي شهدتها مجتمعاتنا خلال العقود الأخيرة، لكن من أخطرها ذلك التحول الذي أصاب مفهوم العمل والنجاح والقيمة. فلم تعد القضية مرتبطة فقط بتطور الأدوات أو تغير وسائل الكسب، بل باتت تمس نظرتنا إلى الإنسان نفسه، وإلى ما يستحق التقدير والاحترام.
فالمسألة ليست مقارنة بين ماضٍ وحاضر بالمعنى الزمني، وليست دعوة للعودة إلى الوراء أو رفضًا للتكنولوجيا ووسائل العصر الحديثة. فالأدوات تتطور، والوسائل تتغير، وما كان يُنجز بالأمس بطريقة يُنجز اليوم بطريقة أكثر سرعة وفاعلية. لكن السؤال الحقيقي يبقى: ماذا ننتج بهذه الأدوات؟ وما القيمة التي نضيفها من خلالها؟
القضية في جوهرها ليست ما نستعمله من أدوات للكسب، بل في الوسيلة والقيمة التي يصنعها الإنسان بعقله وجهده، وفي مدى تكافؤ تلك الوسيلة مع شرف الأهداف التي يسعى إليها. فليس المهم حجم المال الذي نحققه، بل كيف تحقق، وما الأثر الذي يتركه، وما القيمة التي يضيفها للفرد والمجتمع.
لقد كان المجتمع، في مراحل سابقة، يدفع أبناءه بصورة طبيعية إلى أحد مسارين متكاملين: إما التحصيل العلمي والمعرفي، وإما تعلم مهنة أو حرفة أو اختصاص تقني. وفي الحالتين كان الهدف واضحًا: إعداد إنسان قادر على الإنتاج، وتحمل المسؤولية، وتأمين مستقبله من خلال قيمة يضيفها إلى مجتمعه.
أما اليوم، فقد اختلت المعايير إلى حد كبير. فالشهادة عند كثيرين لم تعد تعني المعرفة أو الرسالة أو المسؤولية، بل أصبحت وسيلة للحصول على مكانة اجتماعية أو مكسب مادي. وفي المقابل، تراجعت النظرة إلى المهن والحرف، رغم حاجة المجتمعات المتزايدة إليها، حتى أصبح العثور على حرفي أو فني متمكن أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق.
إن ما نشهده اليوم لا يقتصر على الفقراء أو من حُرموا من فرص التعليم، بل يمتد إلى المتعلمين وحملة الشهادات أنفسهم. فالثقافة السائدة أخذت تكرس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مفهومًا خطيرًا مفاده أن الوسيلة تبرر الغاية، وأن النجاح يُقاس بحجم المال والشهرة والمكانة الاجتماعية أكثر مما يُقاس بالقيمة التي يصنعها الإنسان بعلمه وعمله.
ولعل ما نشهده على منصات التواصل الاجتماعي خير شاهد على حجم هذا التحول. فبدل أن يكون التنافس على المعرفة والإبداع والإنتاج، أصبح جانب من هذا التنافس يدور حول لفت الانتباه بأي وسيلة، ولو على حساب المضمون. وأصبح كثير من الشباب والفتيات يتعرضون يوميًا لنماذج توحي بأن الشهرة السريعة والربح السهل هما الطريق الأقصر إلى النجاح، فيما تتراجع صورة العالم والباحث والمعلم والحرفي والمنتج الحقيقي.
المشكلة هنا ليست في وسائل التواصل نفسها، ولا في التكنولوجيا، ولا في تحقيق الدخل من الوسائط الحديثة، فهذه كلها أدوات يمكن أن تُستخدم في الخير والإبداع والإنتاج. إنما المشكلة حين يصبح الضجيج أكثر قيمة من المضمون، وحين يصبح الظهور أهم من الإنجاز، وحين يُقاس النجاح بعدد المتابعين لا بحجم الأثر.
إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا ينعكس على الأفراد وحدهم، بل يطال البناء الوطني بأكمله. فالأمم لا تنهض بالاستهلاك وحده، ولا بالشهادات المعلقة على الجدران، ولا بحجم الأموال المتداولة في الأسواق، بل تنهض بالعلم المنتج، والعمل الجاد، والابتكار، والالتزام الأخلاقي، واحترام قيمة الإنسان بما يقدمه لا بما يملكه.
لقد كان المجتمع في السابق يربّي أبناءه على أن يكونوا منتجين، أما اليوم فثمة من يربّيهم على أن يكونوا مشاهير. وبين المنتج والمشهور فرق كبير. فالمنتج يضيف قيمة، ويبني معرفة، ويخلق فرصًا، ويترك أثرًا. أما الشهرة المجردة من القيمة فقد تمنح صاحبها المال والانتشار، لكنها لا تبني مجتمعًا ولا تصنع مستقبلًا.
إن مستقبل المجتمعات لا يُبنى على الوهم، بل على الإنتاج. ولا يُصنع بالضجيج، بل بالمعرفة والعمل. ولا يُقاس بعدد المتابعين، بل بحجم الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.
لذلك تبقى القضية أبعد من المال نفسه. إنها قضية علاقة الإنسان بالمال. فالمال ضرورة ووسيلة مشروعة للعيش الكريم، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول من خادم للإنسان إلى سيد عليه، وحين يصبح المعيار الوحيد للحكم على الأشخاص والأعمال. وحينها لا تكون المشكلة في قلة المال أو كثرته، بل في أن يفقد الإنسان حريته أمامه، وأن يصبح عبدًا له بعدما خُلق ليكون سيدًا عليه.













05/30/2026 - 12:31 PM





Comments