بيار مارون - بجّة
قالها الأجداد ورحلوا، دون شرح أو تعليق — لأن من يعرف… يعرف.
هذا المثل ليس مديحًا عاطفيًا لقريتين في قضاء جبيل، بل ذاكرة أرض وحكمة ناس قرأوا الجبل قبل أن يقرأوا الخرائط. بجّة ومعاد لا تملكان ثلثي مساحة البلاد، بل تملكان ثلثي معناها: الممر الحيوي بين الساحل والجبل الماروني. الأرض التي من يمسكها يمسك المؤونة والطريق والقرار.
والأرض تشهد لنفسها في اسمها. بجّة — التي يُقال إن اسمها يعود إلى جذر سرياني يرتبط بالجنائن والمياه — اسم سبق الفتوحات والسجلات والملكيات. وفي داخلها إحدى عشرة كنيسة، بعضها فوق بقايا رومانية. ليست أبنية دينية فحسب، بل طبقات استيطان متراكمة. كل طبقة تقول: ناس مرّوا هنا وقرروا أن يبقوا.
لم تكن بجّة تستقبل أبناءها فقط، بل كانت ترسلهم إلى الجبل والعالم، وتبقى فيهم أينما ذهبوا. خرج أبناؤها إلى أصقاع الدنيا يحملون اسمها في قلوبهم، ويتركون جزءًا منهم في ترابها. هكذا صارت القرية أكبر من حدودها، لأن الجذر الحقيقي لا يبقى في الأرض فقط، بل ينتقل في الدم ويشدّ صاحبه كلما ابتعد. ومعاد لم تكن هامشًا إلى جانب بجّة، بل كانت النصف الآخر من العبارة والشهادة.
قرية على كتف الجبل، مطلّة على الساحل والداخل معًا. من يرى الاتجاهين في آنٍ واحد لا يفكّر كمن يرى اتجاهًا واحدًا. علّمت معاد أهلها أن الأرض ليست فقط ما تطؤه القدم، بل ما تشرف عليه العين. وهذا الإشراف لم يكن ترفًا، بل وظيفة ودورًا.
واسمها الفينيقي القديم يقول ذلك بوضوح: «موعد» — مكان الاجتماع والملتقى. ليس اسم من استقرّ وانعزل، بل اسم من فتح بابه وانتظر. ومن معاد انطلقت موجات الموارنة نحو البترون وصغار وجربتا وغوما وراشانا. لم تكن القرية تستقبل فقط، بل كانت تُعيد توزيع الجبل بأبنائها.
وقد حافظت الذاكرة الكنسية والمحلية على حضورها عبر القرون. وتحتل بجّة ومعاد مكانة خاصة في الوجدان الجبيلي والماروني، إذ ترتبطان بتقاليد محلية وكنسية حول عودة الموارنة إليهما من أعالي الجبال والجرد، حيث كانوا يحتمون من الغزوات، ثم انتشارهم في جبل لبنان والساحل من عكار حتى الجنوب. ومن هنا بقي المثل المعروف: “بجّة ومعاد ثلثين البلاد."
أما كنيستها العتيقة، مار شربل الرهاوي، فتقوم فوق معبد فينيقي، ثم يوناني، ثم بيزنطي، ثم صليبي. طبقات أمم متراكمة في بقعة واحدة. كل طبقة تقول: هذا المكان استحق أن يُحفظ.
وفي هذا السياق، يختلط أحيانًا توصيف النفوذ بتوصيف الحكم. وجود آل حمادة في بعض مراحل جبيل والبترون كان جزءًا من نظام الالتزام الضريبي العثماني، لا امتدادًا عضويًا من الأرض. كانوا يمرّون في الإدارة والجباية، أما القرى فبقيت بأهلها وكنائسها وزيتونها وأسمائها. والفرق كبير بين من يعبر فوق الأرض باسم السلطة، ومن يبقى فيها باسم الذاكرة. الأرض دائمًا تبقى لمن زرعها وصلّى فيها وحفظ اسمها.
لم أكن أعرف شيئًا من هذا حين وُلدت في بجّة. كنت طفلًا يمشي على أرض لا يدرك ثقلها بعد. الأرض تحتمل — تعطي زيتونها وحجارتها وكنائسها لمن يمرّ فوقها دون أن يسأل: لماذا هي هنا؟ ولماذا بقيت؟
اليوم، حين أسمع المثل، أسمع ما لم أسمعه وأنا صغير: أن الجذر ليس مجرد مكان وُلدنا فيه، بل رهان قديم دفعه أناس قبلنا بقرون على أن هذه البقعة تستحق أن تُحفظ. بعض القرى لا تكبر بمساحتها، بل بما تزرعه في أبنائها، حتى لو ابتعدوا عنها آلاف الأميال.
أما أنا، فأنا ابن بجّة. ابن نصف العبارة، وابن أول معناها. ابن أرض لم أفهمها طفلًا كما أفهمها اليوم. وكلما كبرت، ازددت يقينًا أن الجذر ليس المكان الذي وُلدنا فيه فقط، بل المكان الذي يبقى يولد فينا مهما ابتعدنا عنه.













05/29/2026 - 15:40 PM





Comments