الخليج بين إيران وواشنطن: منظومة حماية تُنتج الخطر بدل ردعه

05/29/2026 - 12:11 PM

A

 

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

في 17 نيسان، أعلن وزير الخارجية الإيراني إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية. وبعد أيام فقط، أعلن الحرس الثوري إغلاقه مجدداً. جملة واحدة من رأس الدبلوماسية الإيرانية نسفتها المؤسسة العسكرية. حادثة صغيرة في ظاهرها، لكنها تختصر حقيقة استراتيجية كبرى ترفض واشنطن الاعتراف بها: الخليج اليوم تحت رحمة خصمٍ ممزق داخلياً، عاجز حتى عن تنفيذ التزاماته، ومحاطٍ ببنية أمنية تُعمّق التبعية وتستنزف الخزائن، وتقوم على التزام أميركي «غير مشروط» في الخطاب، و«مشروط» في التطبيق.

لقد وضعت الولايات المتحدة شركاءها الخليجيين في معادلة مستحيلة: إذ جعلت المنطقة أكثر خطورةً عليهم، وبقيت في الوقت نفسه القوة الوحيدة القادرة على حمايتهم. هذا هو "فخ التبعية" الكامن في صميم العلاقات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي؛ وهو فخٌ لم تعترف به واشنطن بعد، ناهيك عن أن تضع استراتيجية للخروج منه.

يؤدّي الوجود العسكري الأميركي في الخليج وظيفتين متناقضتين في آن واحد: فهو يردع الهجمات واسعة النطاق، لكنه في الوقت نفسه يُبرز أهدافاً عالية القيمة لتكون هدفاً لعمليات الرد الانتقامي ذات الطابع "غير التقليدي" (أو ما دون الحرب الشاملة). فالوجود العسكري بحد ذاته يُولّد التهديد الذي صُمم أصلاً للقضاء عليه. فمنذ تعزيز وضعية حاملات الطائرات عام 2023، ازدادت قدرات القيادة المركزية الأميركية، ولكنه في الوقت نفسه زاد من عدد المواقع التي يمكن لإيران استهدافها بغية فرض تكاليف سياسية على الدول الخليجية المضيفة لهذه القوات. فالمزيد من الحماية يُنتج المزيد من الانكشاف للخطر.

وعندما شنت إيران هجماتٍ استهدفت جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست هذا العام، أصبح المنطق السائد جلياً لا لبس فيه: فالقرب الجغرافي من الأصول العسكرية الأميركية يُعد معياراً للاستهداف، وليس معياراً للحماية. ولا يمكن للحكومات الخليجية استضافة القوات العسكرية الأميركية من دون أن تصبح طرفاً في صراع لم تختره.

وكما يقول البروفيسور برنارد هيكل من جامعة برينستون: "لقد صُممت الهيكلية العسكرية الأميركية في الخليج لمواجهة غزوٍ بريٍ شاملٍ على غرار ما حدث في حقبة التسعينيات، ولم تُصمم لمواجهة حروب الطائرات المسيرة والصواريخ". هذا الخلل هو جوهر المشكلة: فالمنظومة التي صُمّمت لردع القدرات الإيرانية القديمة باتت الآن تُعزز وتُضخّم القدرات الإيرانية الحديثة. ولم يعد الوجود العسكري الأميركي يمنع التصعيد، بل بات يستدعِيه ويستجلبُه.

وثمة مفارقةٌ أعمق من ذلك، وهي "مفارقة التكامل": إذ لا يمكن لأنظمة الدفاع الجوي لدول مجلس التعاون الخليجي أن تعمل وتؤدي وظيفتها دون الاعتماد على أنظمة الرصد والمراقبة والاستطلاع (ISR)، وشبكات الرادار، وشبكات القيادة والسيطرة الأميركية. فهي لا تمتلك "الدفاع" بحد ذاته، وإنما تمتلك "حق الوصول إلى الدفاع"؛ وهو حقٌ مرهون ٌبالقرارات السياسية الأميركية. كلما ازداد التكامل، قلّت استقلالية القرار الدفاعي لدى دول مجلس التعاون الخليجي. وأي إشارة تردد من الولايات المتحدة تُضعف فوراً ثقة دول المجلس في دفاعاتها. فأمن الخليج العربي بات رهينة ليس فقط لسلوك إيران، بل أيضاً لحسابات واشنطن السياسية الداخلية. فالتناقض صارخ: النظام الذي يجعل دول المجلس أكثر أماناً يجعلها أيضاً أقل سيادة.

وتروي معادلة الكلفة ما تبقّى من القصة. فالمسيّرة «شاهد» تُقدّر كلفتها بنحو 35 ألف دولار، بينما صاروخ «باتريوت» الذي يعترضها يكلّف 4 ملايين دولار. فإيران لا تحتاج إلى اختراق الدفاعات الخليجية، بل يكفيها أن تُجبرها على استنزاف صواريخها الاعتراضية الباهظة الثمن بوتيرة أسرع من القدرة على تعويضها. فالإرهاق، لا الاختراق، هو الهدف الاستراتيجي لإيران. واستهداف الموانئ والمطارات والبنية التحتية النفطية يضاعف الكلفة: فالتعطيل وحده يفرض أثماناً اقتصادية وسياسية باهظة. فدول الخليج العربية تواجه استنزافاً مزدوجاً: استنزافاً فعلياً لمخزون الصواريخ الاعتراضية، واستنزافاً مالياً لأسس تمويله. حتى النجاح الكبير في عمليات الاعتراض يصبح كارثياً من الناحية الاقتصادية على الدولة المُدافعة.

ويشتدّ الفخّ لأن دول الخليج العربية لا تملك بديلاً أمنياً موثوقاً. فبدون خيار للخروج، لا تتحوّل شكوى الدول إلى نفوذ. ولا يملك استياء دول المجلس أي أداة استراتيجية.  فالاستياء دون نفوذ ليس سياسة، بل مجرد تذمّر. والاحتكار التقني لمنظومات «ثاد» و«باتريوت» يجعل كلفة التحوّل شبه مستحيلة. وتعمّق كل دورة تسليح التبعية. ولا يواجه مزود الخدمة الاحتكاري أي ضوابط سوقية، فيما لا يوجد لدى واشنطن حافز هيكلي يُذكر لمعالجة مظالم دول المجلس.

لقد باتت التصدعات الخليجية علنية؛ ففي الثامن والعشرين من أبريل، أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة «أوبك» — دون التشاور مع السعودية، ودون سابق إنذار. وتُعطي أبو ظبي الآن الأولوية بشكل صريح لروابطها مع واشنطن وإسرائيل على حساب التضامن العربي. وفي المقابل، تجد الرياض نفسها وحيدةً في صدارة تكتل نفطي خسر للتوّ أبرز أعضائه القادرين على القيام بدور "المُنتج المرجّح"؛ وهي في الوقت ذاته أشد غضباً على طهران لمهاجمتها، وعلى واشنطن لإشعال فتيل هذه الحرب. لم يعُد مجلس التعاون الخليجي كتلة موحدة تضغط على واشنطن، بل هو كتلة تتصدع وتتفكك تحت وطأة صراع لم يختر أعضاؤها خوضه، ولا يملكون سبيلاً للخروج منه.

وجاء تعليق «مشروع الحرية» في 5 أيار ليعمّق الشرخ: فقد أظهر أن الالتزامات العملياتية الأميركية قابلة للتراجع عنها بسرعة، ولأسباب لا تتحكم بها دول الخليج. وبذلك، تغدو الضمانة الأمنية «مشروطة» في الواقع، حتى لو بدت «غير مشروطة» في الخطاب الرسمي.

لكن دول الخليج العربية» ستبقى شديدة الاعتماد على أميركا، لكنها ستغيّر نوعية أنظمتها التسليحية للتعامل مع هذا النوع الجديد من الحروب« كما يقول البروفسور برنارد هيكل من جامعة برينستون الأميركية.  فالأدوات ستتطور لكن الواقع الاستراتيجي لن يتغيّر. فالولايات المتحدة وحدها تملك قدرة بسط نفوذها العسكري على نطاق واسع. وهذا الاحتكار يضمن أن تظل كافة أشكال التكيف الخليجي مندرجة ضمن إطار العلاقة غير المتكافئة ذاتها.

على واشنطن أن تختار: فإما أن تعالج الخلل الهيكلي في توازن التكاليف والمكاسب، وأن تخفف من شروط ضماناتها عبر التزامات ملزمة تصمد أمام تقلبات الدورات السياسية الداخلية؛ وإما أن تقر بصدق بأنها تطلب من شركاء ممزقين ومستائين أن يتحملوا إلى أجل غير مسمى أعباء صراع لم يوافقوا عليه قط.

إن لهذا الفخ ثلاثة أقفال: نسبة التكاليف إلى المكاسب، واحتكار الحماية، وشروط الضمان. غير أن الموقف الحالي لواشنطن لا يفتح أياً من هذه الأقفال؛ لذا ينبغي على الكونغرس أن يتساءل عن السبب، وأن يطالب بوضع استراتيجية قادرة على تحقيق ذلك.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment