من شعارات الثورة إلى حصيلة السياسات: ماذا حققت إيران في الواقع العربي؟

05/29/2026 - 10:54 AM

Prestige Jewelry

 

 

رشيد ج. مينا

بعد أكثر من أربعة عقود على الثورة الإيرانية، وبين شعارات تحرير القدس ومواجهة الهيمنة، وبين الحروب والانقسامات والتحولات التي شهدتها المنطقة، يبقى السؤال مشروعًا:

ماذا كانت حصيلة السياسات على الواقع العربي؟

قراءة في النتائج، وفي التحولات التي أصابت مفهوم المقاومة والدولة الوطنية والأمن القومي العربي، وفي الطريق الذي يمكن أن يقود إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، رفعت إيران شعارات كبرى تمحورت حول مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتحرير القدس، ودعم حركات المقاومة، وتبني قضايا الشعوب المستضعفة. كما اعتمدت مبدأ تصدير الثورة كأحد المرتكزات الأساسية في سياستها تجاه محيطها الإقليمي.

وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، انقسمت الآراء حول حقيقة هذه التجربة وأهدافها ونتائجها. فبين من رأى فيها مشروعًا لمواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ومن اعتبرها جزءًا من عملية إعادة تشكيل المنطقة، بقيت الوقائع والنتائج هي المعيار الأهم للحكم على السياسات والمشاريع.

فالحكم على التجارب لا يكون بالشعارات التي ترفعها، بل بالنتائج التي تتركها على الأرض. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا كانت حصيلة السياسات الإيرانية على الواقع العربي بعد أكثر من أربعين عامًا من الثورة؟

لا شك أن النفوذ الإيراني تمدد في أكثر من ساحة عربية، مستفيدًا من تحولات كبرى شهدتها المنطقة. ففي العراق جاء الاحتلال الأمريكي ليسقط الدولة ومؤسساتها، قبل أن يتحول النفوذ الإيراني إلى أحد أبرز اللاعبين في المشهد الجديد. وفي سوريا تعمق الحضور الإيراني خلال سنوات الحرب الطويلة دفاعًا عن نظام الأسد، فيما شهد لبنان ترسيخًا لدور سياسي وعسكري متنامٍ لحزب الله، وامتد التأثير الإيراني إلى غزة عبر دعم فصائل فلسطينية، وإلى اليمن من خلال دعم جماعة الحوثيين.

وقد رافق هذا التمدد خطاب سياسي وإعلامي قائم على ربط ساحات المنطقة ضمن محور واحد للمقاومة، يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وغزة وصنعاء، باعتباره مشروعًا موحدًا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن التجربة العملية أظهرت أن هذا الربط، رغم ما وفره من إمكانات وقدرات لبعض قوى المقاومة، أدى في المقابل إلى تداخل متزايد بين القضايا الوطنية الخاصة بكل دولة وبين الصراعات الإقليمية الأوسع، وهو ما ترك آثارًا عميقة على الاستقرار الداخلي ووحدة المجتمعات في أكثر من ساحة عربية.

غير أن هذا التمدد لم يكن ليبلغ ما بلغه لولا وجود بيئة دولية وإقليمية سمحت له بالحركة والتوسع. فبحسب ما توحي به وقائع كثيرة شهدتها المنطقة، بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعاملتا مع هذا الواقع بدرجات متفاوتة من التغاضي أو الاستفادة غير المباشرة من نتائجه، رغم الخطابات المتبادلة والتوترات المعلنة. فالعبرة في السياسة ليست بالشعارات، بل بالمحصلة النهائية على الأرض.

ومن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: إذا كانت إيران قد رفعت منذ البداية شعار تحرير القدس ومواجهة إسرائيل، فكيف انتهى الأمر بعد عقود إلى واقع عربي أكثر انقسامًا وتفككًا، وإلى إسرائيل أكثر حضورًا ونفوذًا وقدرة على التوسع؟

إن قراءة النتائج لا تقل أهمية عن قراءة الشعارات. فالمحصلة التي أفرزتها المنطقة خلال العقود الماضية تظهر أن عددًا من الدول العربية تعرض لاستنزاف عميق في وحدته الوطنية ومؤسساته واستقراره، فيما تراجعت فكرة الدولة الجامعة لصالح الانقسامات المذهبية والمحاور الإقليمية.

ولعل من أخطر النتائج التي أفرزتها هذه المرحلة أنها لم تؤثر فقط في بنية الدول العربية، بل أصابت أيضًا صورة القضية الفلسطينية والمقاومة في الوعي العربي. فبعد أن كانت فلسطين قضية جامعة تستقطب التأييد الشعبي العربي الواسع، أدى ربطها بالمحاور والصراعات الإقليمية والمذهبية إلى تآكل جزء من ذلك الإجماع، ودفع شرائح من الرأي العام العربي إلى اللامبالاة، بل وحتى إلى مواقف سلبية أو شماتة أحيانًا تجاه ما يجري، وهو تحول لا يمكن التقليل من خطورته على القضية الفلسطينية نفسها وعلى مستقبل أي مشروع مقاوم.

أما المواجهة الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فتبدو أكثر تعقيدًا من أن تُختصر بمفاهيم الانتصار أو الهزيمة. فالمؤشرات القائمة لا توحي بأن الهدف الرئيسي هو تغيير النظام الإيراني بقدر ما تشير إلى محاولة إعادة ضبط السلوك السياسي والعسكري الإيراني، وإعادة تحديد حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه إيران ضمن التوازنات الإقليمية التي ترى الولايات المتحدة أن إسرائيل يجب أن تبقى القوة المهيمنة فيها.

ومن هنا، تبدو الحرب الحالية جزءًا من عملية إعادة ترتيب للأدوار والنفوذ أكثر من كونها معركة نهائية لحسم الصراع. وهي عملية لا تزال نتائجها مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن الثابت فيها أن شعوب المنطقة هي التي دفعت وتدفع الكلفة الأكبر.

وفي ظل هذه الوقائع، تبقى الأولوية الحقيقية أمام الدول العربية في وقف الحروب والنزاعات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتوسيع مساحة الحريات والمشاركة السياسية، وترسيخ مفهوم المواطنة، وإعادة الاعتبار لدور الدولة ومؤسساتها الوطنية. كما أن الاستفادة من تجارب العقود الماضية تفرض على الدول العربية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء صيغ تعاون وتكامل أكثر فاعلية في المجالات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمنية، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها المشتركة ويمنحها موقعًا أكثر تأثيرًا في النظام الدولي المتغير.

وفي لبنان، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى إلى استعادة القرار الوطني المستقل، ووقف التدخلات الخارجية، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، ودعم الجيش والقوى الأمنية الشرعية، والعمل على وقف العدوان الإسرائيلي على أساس اتفاقية الهدنة والقرار 1701، بما يمهد الطريق لبناء دولة قادرة وعادلة.

غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتم عبر الغلبة أو الإقصاء أو الرهان على المتغيرات الخارجية، بل من خلال حوار وطني جدي وصريح يشارك فيه جميع اللبنانيين، ويؤسس لخلق شعور متبادل بالثقة والأمان بين مختلف المكونات الوطنية. فبناء الدولة لا يقوم على موازين القوة المؤقتة، بل على الشراكة والاقتناع المتبادل بأن الدولة هي الضامن الوحيد للجميع.

كما أن تطوير البنية السياسية والإدارية والاقتصادية للدولة يتطلب توافقًا على رؤى إصلاحية وبنيوية قادرة على مواكبة تطلعات اللبنانيين وتحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة، إلى جانب تعزيز العلاقات الطبيعية والمتوازنة مع سوريا العربية، والانفتاح على العمق العربي الذي يشكل الامتداد الطبيعي للبنان ومجاله الحيوي.

إن مواجهة المشاريع الخارجية، أيًا كان مصدرها، لا تكون بمشاريع تبعية مضادة، بل ببناء الدولة الوطنية القادرة والعادلة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مفهوم المواطنة، وتوسيع مساحة الحريات والحوار والديمقراطية، بما يعيد للشعوب حقها في تقرير مستقبلها وصناعة قرارها الوطني المستقل.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment