رأي حر – بقلم الكاتبة الصحفية سنا كجك
هي جزيرة «صور»، إحدى أروع جزر العالم. أطلق الصوريون على مدينتهم اسم «صُر – SR»، والأصل «طُر»، ومعناه في اللهجات السامية الحجر الحاد، نظراً للطبيعة الصخرية القاسية التي بُنيت عليها مدينة صور. أما كلمة «صور» بالفينيقية فتعني الصخرة.
والملكة أليسار، ابنة هذه المدينة، كانت فينيقية ذكية وقوية، حملت إرثها إلى العالم.
مدينة الشمس «صور»… سيدة البحر البراق والصخر الحاد، خاضت صولات وجولات مع الغزاة منذ حقبة الإسكندر المقدوني، وتحدّى حكّامها وشعبها كل احتلال حتى هذه اللحظة التي ينتقم فيها العدو الصهيوني من مدينة أليسار، من موانئها ورملها الذهبي، ومن كل أجدادها الفينيقيين وقادتها.
مدينة «الصخور القاسية» حنونة على سكانها الشرفاء الذين نزحوا عنها رغماً عنهم، فقلوبهم ما زالت معلّقة بها، وذكرياتهم محفورة على مداخلها وشوارعها وأرصفة مقاهيها وبين شباك صياديها.
يا الله ما أطيب أكلة السمك المملّحة من شاطئ صور الصخري.
هذه المدينة الجميلة التي تُقصف اليوم لا تمثل فقط تراث الملوك والأجداد الفينيقيين، بل كانت رمزاً للتجارة والتاريخ والحضارة والعراقة. وتمثل لي شخصياً «صندوق ذكريات» الطفولة… كنت أمرّ عبر طريقها الساحلي كل يوم، أتأمل أشجار البساتين، وما أدراك ما طيبة أشجارها.
تعالوا أحدثكم عنها…
تشتهر «صور أليسار» بالحمضيات الممتدة على طول الساحل الجنوبي. كنا نذهب بالباص المدرسي إلى المدرسة الأنيقة المتربعة على عرش الأشجار الوارفة، نتنشّق الهواء النقي وننهل من علومها الأجنبية. كانت تمتاز بنخبتها الثقافية والتعليمية، واحتفلنا في ساحاتها بكل الأعياد والمناسبات.
ترى… ما أحوالها الآن وسط هذا العدوان والضجيج والدمار؟
هي التي لم تعتد الصخب والانفجارات والهواء الملوث بغبار كراهية صواريخهم.
هي المثال للمدينة الوادعة التي تحتضن أشجارها بحنان، وتهب أبناءها العلم والأدب والفلسفة وكل الثقافات.
هاجمتني موجة من الذكريات بعد الانتقام الإسرائيلي من مدينة الصخر والأحلام. عزّ عليّ أن يتم إخلاؤها وأنا أتأمل شوارعها الشاحبة ومبانيها الحزينة التي نُسفت بوحشية الاحتلال.
هاجمني الحنين إلى بساتينها التي اهتزّت أرضها الطيبة.
تعالوا أحدثكم أيضاً عن انتمائي لبساتين الليمون والحامض الأصفر والموز والكلمنتين وحبات الليمون الأفندي…
كنا نسرح ونمرح في طفولتنا تحت أشجار الحمضيات التي تنعش رائحتها الذاكرة كزهر الياسمين وورد الجوري وزهرة اللوز. كانت عائلتي تملك بساتين من الحمضيات و«قطوف» الموز اللذيذ على ساحل صور الساحرة. اعتدنا زيارتها أيام العطل لنقطف حبات الليمون «على أمها» كما تُعرف في اللغة الزراعية، ونركض بين أشجار الموز التي كانت تسمع ضحكاتنا.
كنا نمرّغ ثيابنا بالتربة الخصبة التي احتضنت براءتنا وأنبتت لنا أطيب الثمار.
نبتهج بقطافها لنقدّمها كهدايا للأصدقاء والجيران، بحكم تربيتنا وثقافة الكرم والعطاء.
لذا تغلغلت في وجداني ملامح الشجرات المتمايلة، وحبات الأفندي الرشيقة، والحامض المغمس بحبيبات الملح الأبيض كاللؤلؤ المنثور.
فكيف لا أحزن اليوم، وحزني مضاعف؟
ترعرعت بين أعمدة علمها وثقافتها، وجُبلت بحب تربتها. كيف لا ينحني الدمع أمام مصاب مدينة الحب وخيوط شمسها الذهبية، والعدو يلتهمها بنيرانه الحاقدة.
بلّغوا سلامنا لـ «صور الرقيقة»…
أرسلوا لها عطر الليمون ونكهة الحامض…
أهمسوا لأشجارها أننا سنعود ولن نطيل الغياب.
بلّغوها أشواقنا… لتهدأ.
سنُعمر المباني بعبق شذى البحر واللون الأرجواني وأحجار صخور شطآنها.
سنزفّها إلى آثارها التاريخية لمرتبة العرائس.
يا قلعة الملك حيرام… أزهرت أجمل ذكرياتي بين ربوعك.
أوَتذكرين يا مدينة الأرجوان حين عبرتُ إليكِ ذات أيلول فوهبتِني فرحة عمري؟
عودي إلينا بأناقتك المعطّرة بين المدن… أعيدي لي نهاري الأيلولي الوردي ذاك.
يا عاشقة النور والبحار…
قلمي بندقيتي













05/28/2026 - 16:38 PM





Comments