جنوب لبنان - كريم حداد
مع استمرار التصعيد العسكري على الجبهة الجنوبية لأشهر طويلة، يتساءل اللبنانيون بألم عميق: هل يدرك العالم حقيقة حجم الكارثة الإنسانية التي يتعرض لها جنوب لبنان؟ هل يعلمون أن مدناً وقرىً بأكملها تُمحى عن وجه الأرض، وأن تاريخاً وتراثاً إنسانياً يُمسح في ساعات؟ تشير التقارير الميدانية إلى دمار هائل طال آلاف المنازل والمباني السكنية، حيث تحولت أحياء بكاملها إلى أنقاض. عشرات القرى تعرضت لقصف مكثف أدى إلى تسوية بيوت الأهالي بالأرض، وتدمير البنى التحتية من طرق ومدارس ومستشفيات وشبكات مياه وكهرباء. لم يسلم من هذا الدمار حتى الأماكن الدينية والتاريخية والزراعية، في مشهد يشبه سياسة الأرض المحروقة.
على الصعيد الإنساني، بلغ عدد النازحين من جنوب لبنان عشرات الآلاف، يعيشون في ظروف صعبة داخل مراكز إيواء مؤقتة أو عند أقاربهم في المناطق الداخلية، تاركين خلفهم أرزاقهم وأراضيهم الزراعية ومنازلهم التي بنوها على مدى سنوات. يروي النازحون قصصاً مؤلمة عن فراق قبور أحبتهم، وعن ذكريات عمر تحولت إلى ركام.
وقد خلّفت الحرب مئات الضحايا المدنيين بين قتيل وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن. كما سُجلت حالات أسرى مدنيين أثارت قلقاً كبيراً لدى عائلاتهم حول ظروفهم ومصيرهم. وتزداد المأساة يوماً بعد يوم مع نقص حاد في الموارد الطبية والمساعدات الإنسانية، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها لبنان.
في هذا السياق، بدأت الدولة اللبنانية مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عقدت اليوم اجتماعات تحضيرية مع الوفد العسكري اللبناني بهدف الوصول إلى وقف فوري لإطلاق النار. غير أن هذه المساعي تواجه عقبات داخلية كبيرة، خاصة مع المواقف العدائية والتحريضية التي يطلقها بعض ممثلي حزب الله تجاه الدولة ومؤسساتها. ففي أكثر من مناسبة، وجه قياديون في الحزب اتهامات للدولة بالتقصير والتواطؤ، ورفضوا أي قرار سيادي يتعلق بالحدود أو السياسة الأمنية، مما يعمق الانقسام الوطني ويضعف الموقف اللبناني التفاوضي.
ويصف مراقبون هذه الحرب بأنها “وجودية” لكلا الطرفين: إسرائيل وحزب الله. لا تراجع عند أي منهما، ولا تبدو المفاوضات الجارية قادرة على تحقيق اختراق حقيقي. وفي ظل هذا الجمود السياسي، ينتظر اللبنانيون بألم شديد مزيداً من الدمار والقتل والتهجير.
يأتي هذا بينما يرزح لبنان تحت أزمات متراكمة سياسية واقتصادية واجتماعية، مما يجعل قدرته على الصمود أمام تداعيات هذه الحرب محدودة للغاية. كل يوم يمر يزيد من قائمة الضحايا ويوسع دائرة الخراب، فيما يبدو المجتمع الدولي شبه عاجز أو غير راغب في اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف النزيف. هل ستتحرك الضمائر الدولية قبل فوات الأوان؟ أم أن جنوب لبنان سيبقى شاهداً على كارثة إنسانية تُضاف إلى سجل المنطقة المأساوي؟













05/28/2026 - 10:25 AM





Comments