إيلي إ. حرب
تتعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية وتتضارب المواقف الصادرة عن مسؤولي البلدين، ويترنح الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران، على الرغم من الوساطات والمحادثات والاتصالات والزيارات المكثفة التي تقودها باكستان والدول الخليجية في محاولة لخفض سقوف الشروط المتبادلة بينهما، فيما تتصاعد وتيرة المناوشات العسكرية في مضيق هرمز وآخرها غارات أميركية على وحدة إطلاق طائرات مسيرة إيرانية في بندر عباس أمس.
المواقف والتسريبات المنشورة عن مذكرة تفاهم أو اتفاق غير معلن بين واشنطن وطهران حول إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري وخفض التصعيد، تقابلها تقارير أميركية وغربية بأن إيران تواصل عملياً تثبيت سيطرة أمر واقع على المضيق، وتتعامل معه باعتباره "مياهاً إيرانية" تخضع لشروطها الأمنية والسياسية، وتشير إلى تناقض إيراني صارخ. فمن جهة، تسعى طهران إلى إقناع الوسطاء بأنها تريد ضمان حرية الملاحة ووقف الحرب، بينما تقول الوقائع الميدانية والمواقف الصادرة عن قياداتها بأنها تحاول فرض معادلة جديدة في الخليج تقوم على اعتراف دولي ضمني بحقها في التحكم بحركة السفن عبر مضيق هرمز، وهي ركزت في الأسابيع الأخيرة على فرض "نظام عبور" على السفن والدول، فمنحت إعفاءات لما تسميه "الدول الصديقة"، في محاولة لإضفاء شرعية تدريجية تمنحها السيطرة على المضيق.
الأخطر بحسب التقارير، أن هذا السلوك لا ينسجم مع أي تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة القائم على ضمان حرية الملاحة الدولية وباعتراف المجتمع الدولي ودول الخليج العربي. فالإدارة الأميركية، حتى في ذروة المفاوضات، رفضت الاعتراف بأي دور سيادي إيراني على المضيق، فيما نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب التقارير التي تحدثت عن إدارة مشتركة إيرانية ـ عمانية للممر البحري، لا بل هدد السلطنة علنا، مؤكداً أن واشنطن لن تسمح بسيطرة أي طرف منفرد على هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية. وبين المواقف المتناقضة للمسؤولين الإيرانيين من موضوع حرية الملاحة في المضيق "كما في السابق"، على حد قول بعضهم، واعتباره مياهاً إيرانية، على حد إعلان البعض الآخر، تستغل طهران فترة وقف النار الهش لإعادة تكريس نفوذها البحري والسياسي، بالتوازي مع إعادة بناء قدراتها العسكرية.
فبحسب مراكز ومعاهد الدراسات السياسية والعسكرية، تستغل إيران فترة التهدئة لإعادة ترميم قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، وإعادة الوصول إلى منصات إطلاق وصواريخ جرى إخفاؤها أو طُمرت تحت الأنقاض بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية. كما تعمل طهران على إعادة بناء أجزاء من بنيتها الصناعية الدفاعية (منشآت مرتبطة بإنتاج الصواريخ والوقود الصلب وسلاسل التوريد العسكرية.) هذا المعطى يفسر سبب تمسك إيران بإطالة أمد المفاوضات وعدم حسم الملفات الجوهرية، وعلى رأسها البرنامج النووي ومضيق هرمز، وهي تماطل وتراوغ وتمارس "التقية" مع الإدارة الأميركية في محاولة لترحيل القضايا النووية الحساسة إلى مراحل لاحقة، مقابل الحصول أولاً على مكاسب اقتصادية وأمنية، بينها تخفيف العقوبات ورفع الحصار البحري والإفراج عن الأموال المجمدة.
بمعنى آخر، تمنح التهدئة إيران فرصة إضافية لإعادة تنظيم قدراتها العسكرية، وترميم أذرعها وشبكاتها الإقليمية، وتحسين شروطها التفاوضية في أي مواجهة مقبلة. والتناقض الأساسي في الموقف الإيراني لا يكمن فقط بين خطاب "السلام" وسلوك "التصعيد"، بل في محاولة الجمع بين اتفاق يفترض أن يخفف مرحليا التوتر الإقليمي وبين مشروع استراتيجي طويل الأمد يهدف عملياً إلى فرض الهيمنة إيرانية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
في الخلاصة، إن استمرار طهران في التعامل مع مضيق هرمز باعتباره ورقة نفوذ سيادية وليست ممراً دولياً، يُبقي أي اتفاق مرتقب مع الولايات المتحدة هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة، والمؤشرات الحالية توحي بأن إيران لا تزال تنظر إلى الهدنة باعتبارها استراحة لمواصلة سياساتها السابقة، لا باعتبارها نهاية للصراع.













05/28/2026 - 08:43 AM





Comments