لبنان وسياسة الخارج: من تعدد العقائد إلى ضرورة الحياد الإيجابي

05/28/2026 - 05:28 AM

Prestige Jewelry

 

 

الاعلامية سيلفانا سمعان

يُشكّل لبنان حالة معقدة في دراسة السياسة الخارجية للدول الصغيرة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الحساس في شرق المتوسط، بل أيضاً نتيجة تركيبته السياسية الداخلية التي تقوم على نظام طائفي توافقي يُنتج، عملياً، تعددية في مراكز القرار الخارجي بدل سياسة دولة واحدة متماسكة. هذا التداخل البنيوي بين الداخل والخارج جعل السياسة الخارجية اللبنانية أقرب إلى ساحة توازنات داخلية منه إلى أداة سيادية واضحة تُدار وفق مصلحة وطنية مستقلة.

منذ نشوء دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠، لم يتمكن لبنان من بلورة عقيدة خارجية ثابتة. فالمواقف الخارجية تذبذبت بين خيارات متناقضة تعكس الانقسام الداخلي حول هوية الدولة ودورها الإقليمي: بين من يراها دولة ذات انتماء عربي كامل، ومن يركّز على خصوصيتها المشرقية أو المتوسطية. هذا الانقسام لم يبقَ نظرياً، بل تحوّل إلى سلوك سياسي فعلي انعكس في تحالفات متغيرة وتدخلات متبادلة في الصراعات الإقليمية.

في الأدبيات الأكاديمية، يمكن تمييز أربعة أنماط متكررة لما يشبه العقائد غير المستقرة للسياسة الخارجية اللبنانية: الاستيعاب القسري، المواجهة، الاستيعاب الوقائي السلبي، والاستيعاب الوقائي الإيجابي. هذه النماذج لا تُعتبر استراتيجيات مؤسساتية ثابتة، بل استجابات ظرفية لضغوط داخلية وإقليمية متغيرة.

في حالة الاستيعاب القسري، تجد الدولة نفسها مضطرة لتقديم تنازلات لقوة إقليمية مهيمنة نتيجة انقسام داخلي حاد، كما ظهر في مراحل مرتبطة بالقضية الفلسطينية وتداعياتها على الداخل اللبناني. أما المواجهة، فتتمثل في اصطفاف الدولة أو جزء من مكوناتها ضد قوى إقليمية فاعلة، ما يؤدي غالباً إلى اهتزاز التوازن الداخلي وتعطّل المؤسسات، كما حدث في أزمات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث.

أما الاستيعاب الوقائي السلبي، فيعكس حالة امتناع الدولة عن تحدي القوى الإقليمية المؤثرة، مع تقديم تنازلات محدودة لتجنب الانفجار الداخلي. في المقابل، يُعتبر الاستيعاب الوقائي الإيجابي النموذج الأكثر تماسكاً نسبياً، إذ يقوم على انفتاح محسوب على القوى الإقليمية الأساسية بهدف تثبيت الاستقرار الداخلي، وهو ما ظهر جزئياً في مرحلة الرئيس فؤاد شهاب (١٩٥٨–١٩٦٤)، حيث سعت الدولة إلى بناء مؤسسات وإدارة توازنات دقيقة مع محيطها الإقليمي.

لكن هذه الأنماط لم تكن يوماً مستقلة عن البنية الداخلية. فالنظام الطائفي جعل من السياسة الخارجية امتداداً لتوازنات داخلية، حيث غالباً ما ارتبطت القوى السياسية اللبنانية بمحاور إقليمية ودولية مختلفة، ما أدى إلى تعدد مراكز القرار الخارجي داخل الدولة الواحدة. هذا الواقع عمّق هشاشة القرار السيادي وأضعف القدرة على صياغة استراتيجية خارجية موحدة.

تاريخياً، يمكن تتبع انعكاس هذا الانقسام في محطات مفصلية. ففي أزمات متكررة مثل أزمة ١٩٥٨، ثم مرحلة الحرب الأهلية (١٩٧٥–١٩٩٠)، وصولاً إلى مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، لم تكن السياسة الخارجية اللبنانية نتاج رؤية دولة مركزية بقدر ما كانت انعكاساً لتوازنات داخلية متحركة. وقد أدى ذلك إلى تداخل شبه كامل بين السياسات الداخلية والخارجية، بحيث أصبح أي اصطفاف داخلي انعكاساً تلقائياً لاصطفاف خارجي.

يُعد اتفاق الطائف لعام ١٩٨٩ نقطة تحول أساسية في إعادة صياغة هوية لبنان السياسية اتفاق الطائف، إذ نصّ على تثبيت هوية لبنان العربية وعلى علاقات مميزة مع سوريا، مع محاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الحرب. غير أن التطبيق العملي للاتفاق بقي خاضعاً لموازين القوى الإقليمية، ما حدّ من قدرته على إنتاج سياسة خارجية مستقلة بالكامل.

في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري عام ٢٠٠٥، دخل لبنان في مرحلة إعادة تموضع إقليمي، حيث برز اصطفاف داخلي حاد بين محورين سياسيين متقابلين، انعكس مباشرة على السياسة الخارجية. كما أن تصاعد دور الفاعلين غير الحكوميين، وعلى رأسهم حزب الله، جعل من القرار الخارجي مساحة تفاوض غير مكتملة بين الدولة وقوى داخل الدولة، ما أعاد طرح سؤال السيادة بشكل جذري.

في هذا السياق، يصبح غياب سياسة خارجية موحدة ليس مجرد خلل إداري، بل نتيجة بنيوية لنظام سياسي يقوم على توزيع السلطة الطائفية بدل احتكار الدولة لقرارها السيادي. هذا ما جعل لبنان، في محطات متعددة، عرضة للانخراط في صراعات إقليمية كحروب بالوكالة، سواء في السياق العربي الإسرائيلي أو في التوترات الإقليمية الأوسع.

أمام هذا الواقع، برزت في السنوات الأخيرة مقاربة الحياد الإيجابي كإطار نظري لمحاولة إعادة ضبط موقع لبنان الخارجي. يقوم هذا المفهوم على عدم الانخراط في محاور عسكرية إقليمية، مع الحفاظ على علاقات دبلوماسية متوازنة مع مختلف الأطراف، والانخراط في الدبلوماسية الإقليمية كوسيط لا كطرف. غير أن هذا النموذج يبقى مشروطاً بوجود توافق داخلي واسع، إضافة إلى قبول إقليمي ودولي، وهو ما لم يتحقق بشكل مستقر حتى الآن.

تجارب دول صغيرة أخرى مثل عُمان تُظهر أن الدبلوماسية المتوازنة، القائمة على الحياد العملي والوساطة، يمكن أن تمنح دولة صغيرة هامش تأثير يفوق وزنها الجغرافي أو العسكري. لكن نقل هذا النموذج إلى لبنان يواجه تعقيدات مختلفة بسبب تشابك الهوية السياسية الداخلية مع الصراعات الإقليمية.

إلى جانب الحياد، تبرز الحاجة إلى تطوير مفهوم الدبلوماسية الاستباقية، أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل المبادر في السياسة الخارجية. يشمل ذلك تعزيز دور لبنان كمنصة للحوار الإقليمي، وتفعيل أدوات القوة الناعمة مثل الثقافة والتعليم والاغتراب اللبناني المنتشر عالمياً، إضافة إلى إعادة هيكلة وزارة الخارجية لتصبح أكثر احترافية واستقلالية عن التجاذبات الداخلية.

كما أن مأسسة العلاقة مع الاغتراب اللبناني تُعد من أهم الموارد غير المستثمرة بشكل كافٍ. فالجاليات اللبنانية في الخارج تشكل شبكة تأثير اقتصادي وثقافي وسياسي يمكن أن تعزز موقع لبنان الدولي إذا تم تنظيمها ضمن إطار مؤسساتي واضح.

في المقابل، يظل إصلاح الجهاز الدبلوماسي شرطاً أساسياً لأي تحول في السياسة الخارجية. يشمل ذلك إنشاء معهد دبلوماسي متخصص لتأهيل الكوادر، وتوسيع معايير التوظيف، وتطوير مهارات الوساطة والتفاوض، بما يتناسب مع طبيعة الصراعات الحديثة المعقدة في شرق المتوسط.

الخلاصة أن لبنان يقف أمام معضلة بنيوية: دولة ذات موقع استراتيجي حساس، لكنها بلا عقيدة خارجية مستقرة. بين الانقسام الداخلي والتجاذب الإقليمي، تصبح السياسة الخارجية مرآة لعدم الاستقرار الداخلي أكثر من كونها أداة لحماية المصالح الوطنية. لذلك، فإن أي تحول حقيقي نحو الحياد الإيجابي أو الدبلوماسية الاستباقية لن يكون ممكناً دون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها الداخلية أولاً، قبل إعادة تموضعها في الإقليم.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment