حين يصبح الفاسد مدرسة… يصبح الوطن صفّاً لتعليم الانهيار

05/27/2026 - 08:44 AM

A

 

 

 

لبنان: جمهورية تُخرّج دفعات من التبعية والفساد

شبل الزغبي

لم يسقط لبنان دفعةً واحدة، ولم ينهَر لأن حرباً مرّت أو أزمةً ضربت. ما حدث كان منهجاً تعليمياً طويلاً، أُعِدّ بعناية داخل مدارس سياسية مفتوحة منذ عقود، مدارس بلا تراخيص لكنها خرّجت آلاف الأتباع، ومدارس بلا رقابة لكنها صنعت ثقافة وطنية كاملة قائمة على الولاء، والمحاصصة، والخوف، والتبرير.

في لبنان، تحوّل بعض الزعماء إلى أساتذة كبار في أكاديمية الخراب. كلٌّ منهم أسّس مدرسته الخاصة، ووضع مناهجه، وخرّج دفعاته.

مدرسة بري علّمت أن السلطة ميراثٌ لا وظيفة، وأن الدولة مزرعة خاصة، وأن البقاء في الكرسي أهم من بقاء الوطن.

مدرسة جنبلاط قدّمت دورات متقدمة في التلوّن السياسي، حيث المبدأ تفصيل مؤقت، والموقف مادة قابلة للتعديل وفق اتجاه الرياح.

مدرسة ميشال عون منحت شهاداتٍ في تحويل شعارات الإصلاح إلى أدوات تبرير، حتى أصبح الفشل مؤامرة دائمة، والمسؤولية دائماً تقع على الآخرين "ما خلّونا ".

أما مدرسة الحريري، فقد أتقنت تعليم الاقتصاد السياسي للديون، حيث يُسوّق الإفقار باسم التنمية، ويُقدَّم الانهيار كمرحلة انتقالية نحو الوهم.

وهناك أيضاً مدارس بعض من الأحزاب السيادية، التي حوّلت الخطاب إلى مسرح، والنضال إلى شعارات موسمية، وافتتحت قاعاتٍ لتعليم الرمادية، والانكفاء، وتقديس الزعيم الأبدي. مدارس أصبحت فيها القيادة وظيفة مدى الحياة، وتحولت صفوفها إلى مقابر للفكر الحر.

لكن أخطر هذه المؤسسات وأكثرها فتكاً كانت مدرسة حزب الله الإيراني الإرهابي؛ المدرسة التي رفعت السلاح فوق الدستور، وربطت الولاء بالخارج قبل الوطن، وقدّمت التبعية لإيران كعقيدة، وشرّعت اقتصاد الظل وعمليات التهريب والمخدرات، وعلّمت أن الدولة تُستخدم حين تخدم المشروع وتُشلّ حين تعارضه. إلا أن المأساة الحقيقية ليست وجود هذه المدارس، بل نجاحها.

نجحت حين صار اللبناني يتقبّل الفساد كأمر طبيعي، ويعتبر الزعيم بديلاً عن الدولة، والطائفة بديلاً عن العدالة، والتبرير بديلاً عن المحاسبة. هنا لم يعد الفساد سلوكاً فردياً، بل تحوّل إلى مادة إجبارية في المنهج اللبناني غير المعلن.

وفي الخلف، يقف المجتمع الدولي شاهداً يعرف أسماء الأساتذة، وحساباتهم، وشبكات نفوذهم، لكنه يختار أحياناً التعامل معهم كشركاء. وحين يُصافح العالم خرّيجي مدارس الانهيار، فإنه يمنح تلك المؤسسات شهادة اعتراف غير مكتوبة.

لهذا، لا يكفي تغيير الوجوه. لبنان لا يحتاج استبدال مدير مدرسة بآخر، بل يحتاج إقفال أكاديمية الخراب كلها، وإعادة كتابة المنهج الوطني من الصفر.

وهنا تقع مسؤولية لبنان الاغتراب، المتحرر نسبياً من الخوف ومن قبضة هذه المدارس، في شنّ معركة طويلة داخل عواصم القرار لكشف الأساتذة، وفضح المناهج، ومحاسبة من خرّجوا أجيالاً كاملة من الانهيار.

فلبنان لن يولد يوم يسقط معلّم فساد واحد، بل يوم يرفض المجتمع بأكمله العودة إلى صفوفهم، ويقرر أخيراً أن يتعلّم معنى الوطن من جديد.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment