رشيد ج. مينا
تُعرَّف الدولة، وفق المفهوم السياسي والقانوني العام، بأنها كيان سياسي وإداري منظّم يتمتع بالسيادة، ويمارس سلطته على إقليم جغرافي محدد يقطنه شعب دائم الاستقرار، من دون أن يخضع لسيطرة خارجية، مع تمتّعه بأهلية إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى.
هذه هي الصورة النظرية أو المفهوم العام للدولة، لكن إذا حاولنا سبر أغوار الحقيقة بين المفهوم والنماذج المطبّقة على أرض الواقع، نجد أن التجارب كثيرًا ما أسقطت تلك المثاليات على محك المصالح والصراعات وموازين القوى.
فمفهوم الدولة لا يمكن أن يُبنى فقط على الأحلام والتمنيات، بل على الوقائع والتجارب. وما شهدناه، على الأقل منذ تداعيات الحرب العالمية الثانية، وما نتج عنها من تقاسم للنفوذ وقيام أطر أممية ومؤسسات دولية واعتماد مواثيق تبدو مثالية نظريًا، أظهر أن القانون الدولي غالبًا ما يُفرض وفق مصالح الأقوياء، لا وفق منطق العدالة أو احترام المواثيق.
فالأمثلة القريبة والبعيدة تؤكد أن كثيرًا من القوانين والقرارات الدولية تُضرب عرض الحائط عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى وأهدافها في الهيمنة والسيطرة. ويكفي النظر إلى ما شهدته دول مثل لبنان والعراق والسودان وسوريا وليبيا واليمن، وفي المقدمة فلسطين، كمقياس صارخ لمسألة العدالة والحق وتقرير المصير.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا يتحول الصراع، في كثير من الدول، إلى صراع وجود بين السلطة والشعب؟ ولماذا تفشل الأنظمة في بناء جسور الحوار الحقيقي أو تكريس مبادئ الديمقراطية والتشاركية؟
إنها المفارقة التي لا تقتصر على العالم العربي وحده، بل تكاد تمتد إلى العالم بأسره. فمن الأنظمة من اعتمد مركزية السلطة المطلقة، أو الفردية السياسية، أو الديمقراطية الزائفة عبر أحزاب لم تمارس من مبادئها سوى الاسم، فيما شهدت ممارساتها أعلى درجات العنف والإقصاء وفرض السياسات التعسفية والإلغائية.
وفي المقابل، ظهرت نماذج أخرى رفعت شعارات الحرية والديمقراطية، لكنها اختزلت هذه المفاهيم بحرية الاحتكارات وتعدد مراكز القوى، ما أدى إلى تفكك المجتمعات، واتساع الفساد، وزيادة الفقر، وضرب الأسس الوطنية ومفهوم المواطنة.
ومن هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة في وطننا العربي إلى إعادة تصحيح مفهوم الدولة ودورها، وإعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والسلطة على قاعدة التكامل لا العداء، بحيث تكون الدولة فعلًا سلطة القانون والمؤسسات الوطنية، مع إعادة الاعتبار لمفهوم التشاركية، وتعزيز الحريات الفردية والجماعية، وتكريس الديمقراطية بمفهومها الحقيقي، وتداول السلطة على أساس البرامج لا الأشخاص. فهذا وحده ما يمكن أن يؤدي إلى تطور طبيعي لمفهوم الدولة، وإلى تطور المجتمع نفسه على مختلف المستويات.
وبالعودة إلى لبنان، نجد مثالًا صارخًا على الهوة بين الدولة والشعب منذ إعلان دولة لبنان الكبير في ظل الانتداب الفرنسي، الذي منح لبنان استقلاله الشكلي على أساس تمكين شعبه من حكم نفسه، إلا أن الواقع لم يعكس يومًا اكتمال هذا الحق، مع استمرار التدخلات الخارجية والاستثمار الدائم في تنوعه الطائفي والمذهبي، عبر زرع الفتن وتغذية الصراعات، ما جعل لبنان ساحة مفتوحة أكثر منه دولة مكتملة البناء.
ومع نكبة فلسطين، وما تبعها من قيام الكيان الإسرائيلي واعتماد اتفاقية الهدنة مع لبنان، دخل البلد في سلسلة متواصلة من الاهتزازات والصراعات، من أحداث عام 1958 المرتبطة بالصراع حول حلف بغداد، إلى انطلاق المقاومة الفلسطينية المسلحة، ثم اتفاقية القاهرة، وتأثيرات حرب تشرين 1973، وصولًا إلى انفجار الحرب اللبنانية عام 1975، ودخول لبنان هذا النفق المظلم المستمر حتى اليوم.
وخلال تلك المراحل، تعرّض لبنان لاجتياحات وحروب إسرائيلية متكررة أعوام 1978 و1982 و2006، وتصاعدت الاعتداءات مع تصاعد الحروب الإقليمية، وصولًا إلى حرب غزة وحرب الإسناد المستمرة حتى اليوم.
وفي ظل كل ذلك، لم يعش اللبنانيون مفهومًا حقيقيًا ومستقرًا للدولة، بل شهدوا تداولًا شكليًا للسلطة تحت تأثير وصايات وهيمنات خارجية تعاقبت على التحكم بالقرار اللبناني، من نظام الأسد البائد، إلى النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، وصولًا إلى النفوذ الإيراني.
إن استعادة القرار الوطني اللبناني، ووقف العدوان الإسرائيلي والتدخلات الخارجية، ودعم الجيش والقوى الأمنية الشرعية، ومعالجة القضايا التي تعيق الوحدة الوطنية، تشكل المدخل الحقيقي للبدء بتحويل مشروع الدولة، الذي يتغنى به الجميع فيما يعمل كثيرون على منع تحقيقه، إلى واقع فعلي يعيشه اللبنانيون.
فلا بديل عن الدولة والمؤسسات الوطنية القائمة على الوحدة الوطنية الشعبية، لأن ذلك وحده يشكل طريق العبور نحو التغيير الحقيقي، وبناء المستقبل الذي يستحقه لبنان وشعبه، بما يتناسب مع قدراته وشجاعة أبنائه وإبداعهم والنجاحات التي حققوها في دول الاغتراب والعمل حول العالم.













05/27/2026 - 08:33 AM





Comments