يجب التحرك... الطائفة الشيعية الثكلى وحارسها المنهك: صراع البقاء في مهبّ الأقدار..

05/27/2026 - 07:51 AM

A

 

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز *

تقف الطائفة اليوم في مهبّ ريح عاتية، تشبه في ملامحها امرأةً ثكلى، فجعتها الحرب بفلذة كبدها البكر، فلم تجد أمام لوعة الفقد سوى أن تدفع ببقية أبنائها إلى أتون المواجهة، يحدوها فخرٌ ببطولاتهم وقلقٌ ينهش روحها على مصيرهم، وبينما هي تراقب ملاحم الثأر، تلتفت بجانبها لتجد حامي حماها، ذلك الرجل الذي نذر نصف قرن من عمره لصونها، يصارع اليوم نواميس الطبيعة وقسوة السنين وأقدار الحياة، مثقلاً بجراح الصراعات التي لم تهدأ يوماً، لكنه لا يزال يقبض على جمر الصمود رغم إنهاك الروح والجسد.

إن هذا المشهد الوجودي يتجاوز في عمقه مجرد القلق على صحة الرئيس نبيه بري أو القراءات السياسية لتصريحات دبلوماسية وعقوبات أمريكية غير عابرة، بل هو تعبير عن انقطاع "شعرة معاوية" مع قوى دولية لم تعد تجد في لغة الحوار مع الشيعة متسعاً، مما يضع الطائفة أمام حقيقة مرة؛ وهي أنها باتت تخوض صراع البقاء وحيدة، تدفع ضريبة انتمائها لقضايا تخلى عنها أصحابها، بينما تعمل آلة الموت والدمار الإسرائيلية ليس فقط على حصد الأرواح، بل على تسوية القرى بالتراب ومسح الذاكرة التاريخية والجغرافية، في محاولة بائسة لقطع صلة الوصل بين الشجر والحجر، وبين هوية ممتدة في أعماق الزمان للشيعة أبناء لبنان.

وفي خضم هذه الإبادة الممنهجة، تبرز الأزمة البنيوية الداخلية كجرح نازف؛ حيث تحول العمل السياسي والاجتماعي في غالبيته إلى مجرد ظلال للزعيم، وافتقدت الساحة إلى الابتكار والقدرة على التطور، وكأن نبوءة العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله قد تجسدت واقعاً أليماً حين حذر من ثقافة "الفكر المطبوخ" التي استمرأت التعليب ومنعت العقول من التفكير، حتى أضحى المجتمع يتقن التصفيق والهتاف لكنه لم يتعلم "فن الطبخ" السياسي الذي ينقذه من المزالق.

هذا النمط العقيم في العمل السياسي والاجتماعي والإعلامي جعل الطائفة تستهلك مقدراتها دون مردود سياسي مكافئ لعظمة تضحياتها، فكل قطرة دم تسقط دون تقدم سياسي ملموس هي هدر للمقومات، وكل دولار يُصرف في غير مكانه هو تبذير لفرص الصمود الأخيرة.

إن الوقت لم يعد متاحاً، بل هو الأكسجين الذي يتناقص في رئتي الطائفة وهي تهوي نحو قعر محيط من الدماء والركام. إن كل ثانية تمر دون ترتيب البيت الداخلي تعني اقتراباً من الانهيار الكامل؛ فليس بالقوة وحدها تُدار موازين القوى، بل بالعقول والنخب التي جرى استبعادها وعزلها طويلاً.

آن الأوان لهذه النخب أن تنتظم في رابطة فاعلة، تجمع شتات الفكر وتحول القوة الكامنة إلى فعل سياسي ناضج، يواكب تضحيات الشباب ويستثمر في ما تبقى من حضور تاريخي للقيادة الحالية.

وهنا تتوجه الأنظار إلى أثرياء الطائفة الشيعية الذين استثمروا في القصور وحياة الرفاهية ولم يقدموا شيئاً لمجتمعهم، بل أصيبوا بلعنة كارل ماركس؛ وهذا مآل طبيعي عندما تهبط الثروة على فئة كانت محرومة ففهمت السلطة والمال بطريقة مشوهة. فبدل أن يدعم هؤلاء الميسورون المثقفين ويشجعوا الإبداع في الأدب السياسي والاجتماعي والرواية والفن، تهافتوا نحو أصحاب السلطة لزيادة ثرواتهم والتعالي في البنيان، حتى أصبحت الميزة التي تمنحك قيمة في المجتمع الشيعي ليست ما يحمله عقلك، بل ما يحويه جيبك، فكان ذلك أول مسمار في نعش الانهيار.

لقد كتب ماركس في مخطوطاته الشهيرة عام 1844 ما معناه أن المال يحرم صاحبه من عيش حياة إنسانية حقيقية حين يختصره في وظيفة واحدة وهي "آلة لتجميع الثروة"، وكلما قلّ شراء الكتب والذهاب للمسارح، زاد رأس المال وجفّت الروح.

إن الرسالة الأخيرة لهؤلاء الأثرياء هي أنكم إن لم تستثمروا اليوم في إنقاذ مجتمعكم، فإن هذا المال سيحرقكم قبل غيركم، فالمال يحتاج إلى سلطة تحميه، ولا سلطة باقية دون تماسك الطائفة وقوة الأمة والعدالة الوطنية التي تحمي الجميع في هذا الشرق الذي عدالته كما قال الشاعر: "عدالة الأرض مذ خلقت مزيفة.. والعدل في الأرض لا عدل ولا ذمم".

بالختام انا لا اتدخل في الية الصراع وما تجدونه من توازنات في الحرب، لكن اقول فليكن الى جانب هذه الحرب العسكرية ايضا رابطة نخب فكرية، فمحصول القمح الذي يبدر بالتعب والكد، فان لم يحصد بموعده ويتحول الى خبز للحياة فلا قيمة له.

إنها لحظة الحقيقة الكبرى؛ حيث تلملم المرأة الثكلى أطراف رداء صبرها، وتنظر إلى أبنائها المنهكين وإلى حارسها الذي يغالبه القدر، مدركةً أن النجاة لا تأتي بالبكاء على الأطلال ولا بانتظار متغيرات إقليمية، بل بالعودة إلى الذات، وفتح نوافذ التفكير الموصدة، وإعادة بناء جسور الثقة مع النخب الحقيقية، لعلها تجد في وحدة الكلمة ورصانة الفكر "خشبة خلاص" تقيها من قادم لا يبدو، في ظل التراخي والتبعية، رحيماً بأحد.

امنا الطائفة الشيعية بحاجة لجميع ابنائها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment