فاروق غانم خداج *

حين تتحول الحروف إلى هوية وطن، وتصبح الثقافة جسراً بين الإنسان والعالم، يقف «يوم الكاتب الإماراتي» مناسبةً تستحق التأمل النقدي لا الاحتفال فقط. إنها تختصر تجربة دولة قررت منذ وقت مبكر أن تجعل من المعرفة مشروعاً ومن الكتّاب ركيزةً في بناء المستقبل. والتأمل الحقيقي لا يعني الوقوف عند حدود الإشادة، بل يعني قراءة المنجز بعيون مفتوحة، باحثةً في عمق التجربة عن دروسها وتحدياتها معاً، لأن المديح الأعمى لا يخدم تجربة بهذا الحجم، بل يُجمّدها في لحظتها بدل أن يدفعها إلى الأمام.

تشكّل المشهد الثقافي الإماراتي بوصفه منظومة متكاملة تربط التعليم بالقراءة وبناء الإنسان، وتتعامل مع الكتاب بوصفه جزءاً من الحياة اليومية لا عنصراً احتفالياً موسمياً. فمعرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي بات يستقطب أكثر من مليوني زائر سنوياً وأكثر من ألفي دار نشر من خمسين دولة، تحوّل إلى منصة معرفية عالمية تعكس انتقال الثقافة من الفعل الموسمي إلى الفعل الاجتماعي المستمر. وفي السياق ذاته، أسّست مبادرة «تحدي القراءة العربي» لعلاقة جديدة بين الطالب والكتاب، إذ شجّعت أكثر من عشرين مليون طالب حول العالم على قراءة عشرات الكتب سنوياً، مرسّخةً عادة القراءة جزءاً من التكوين لا نشاطاً موازياً له. هذه الأرقام ليست للاستعراض، بل هي مؤشرات تكشف أن الثقافة انتقلت من قرار سياسي إلى واقع اجتماعي ملموس، يظهر في المدارس والبيوت والمكتبات العامة، ويتجذّر في سلوك أجيال لم تعرف يوماً أن القراءة كانت خياراً لا عادة.

لم يكن هذا التحول منفصلاً عن رؤية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، التي ترى في المعرفة أداةً لبناء الإنسان قبل أن تكون مظهراً من مظاهر التنمية. ففي كتابه «علمتني الحياة» تتجسد فكرة أن التجربة ليست حدثاً فردياً بل مادةً للوعي العام، وأن الإنجاز الحقيقي هو ما يتحول إلى أثر في المجتمع لا ما يبقى في حدود السيرة الشخصية، بل ما يصبح قابلاً للتداول داخل الوعي الجمعي جيلاً بعد جيل. غير أن الرؤية وحدها، مهما بلغت من سموّ، لا تكفي ما لم تتحوّل إلى سياسات قابلة للقياس والمراجعة والتطوير، وهو ما يمثّل التحدي الدائم أمام أي مشروع ثقافي طموح يريد أن يتجاوز لحظة التأسيس نحو ديمومة الأثر.

في هذا المشهد، لم تكن المرأة الإماراتية على الهامش، بل كانت في صلب الفعل الثقافي ومحرّكاً من محرّكاته الحقيقية. فالروائية سارة الجروان، التي تشتبك في أعمالها مع أسئلة الذاكرة والانتماء بلغة تمزج الحميمية بالعمق، نموذجٌ لكاتبة تحوّل التجربة الشخصية إلى شهادة ثقافية جماعية تخاطب القارئ العربي في مختلف أقطاره. وإلى جانبها تحضر صبحة الراشدي التي تفتح فضاءات سردية تعكس تحولات المجتمع وأسئلته العميقة، فيما تُقدّم ميسون صقر تجربة شعرية تمزج الحداثة بالجذر الثقافي في صياغة تجعل القصيدة حواراً لا تأملاً منغلقاً. بيد أن هذا الحضور النسائي الثري، رغم أهميته وتنوّعه، يستدعي دفعاً أكبر نحو الترجمة والانتشار خارج الفضاء العربي، لأن العالم لا يزال يعرف هذه الأصوات أقل مما تستحق.

بين الأرز اللبناني والنخلة الإماراتية علاقة تتجاوز الرمز نحو التاريخ المشترك والمصير الثقافي الواحد. فمعرض الشارقة الدولي للكتاب استضاف على مدار سنوات كتّاباً ومفكرين لبنانيين كانوا يجدون في هذه المنصة ما يتعذر عليهم إيجاده أحياناً في بلدهم المنهك، ودور نشر بيروتية عريقة كـ«دار الساقي» و«المركز الثقافي العربي» باتت حاضرة بقوة في الفضاء الثقافي الإماراتي، بينما وفّرت الجامعات الإماراتية منصات للأقلام اللبنانية في أحلك سنوات الأزمة حين كانت بيروت تئن تحت ثقل انهيار لم يرحم الكتاب ولا الكتّاب. الأرزة والنخلة تختلفان في المناخ والبيئة والتربة، لكنهما تلتقيان في وظيفة رمزية وتاريخية واحدة: تثبيت الذاكرة في وجه التحوّل، وحماية الجذور من النسيان، وإبقاء المعنى حيّاً رغم تسارع الزمن وتغيّر الوسائط. وهذا اللقاء الثقافي الفعلي بين البلدين هو ما يجعل الرمز حيّاً لا مجرد صورة بلاغية جميلة.

المحك الحقيقي لأي مشروع ثقافي لا يكمن في ضخامة الأرقام ولا في بريق الفعاليات، بل في سؤالين جوهريين لا يُجيبهما الإحصاء وحده: هل وصل الكتاب إلى المواطن العادي أم بقي حبيس دائرة النخبة المثقفة؟ وهل تحوّل الاحتفاء بالكاتب إلى احتفاء حقيقي بالقارئ أيضاً؟ التجربة الإماراتية قدّمت نموذجاً عربياً يُحتذى به لأنها أثبتت أن الاستثمار في الثقافة قادر على إنتاج أثر قابل للقياس والتوسّع والاستمرار، لكن الإجابة الكاملة والصادقة عن هذين السؤالين هي وحدها ما سيُحدد في نهاية المطاف مكانة هذه التجربة في ذاكرة التاريخ الثقافي العربي.

إننا، ونحن نكتب من بيروت التي تعرف معنى الصمود وكلفة الثقافة في زمن الأزمات وثمن الكلمة حين تُقال في غير أوانها، نرى في التجربة الإماراتية مساحة أمل عربي حقيقي، لأنها تقدّم دليلاً عملياً على أن الكتاب ما زال قادراً على أن يكون مركزاً للحياة الثقافية لا هامشاً فيها، وأن الكاتب لا يزال شريكاً في صناعة الوعي لا شاهداً عليه. وفي هذا اليوم، نتوجه بالتحية إلى الكتّاب الإماراتيين الذين يواصلون كتابة نصوصهم بإخلاص ومسؤولية وعمق، وإلى كل من ساهم في ترسيخ هذا الفعل الثقافي النبيل من مؤسسات وناشرين ومفكرين، شركاءَ جميعاً في مشروع عربي مشترك لا يعرف حدود الجغرافيا ولا يتوقف عند حواجز السياسة.

 

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني