إذا قالت الرياض لا: هل يترك ترامب الخليج تحت ظل الصواريخ الإيرانية؟

05/26/2026 - 12:20 PM

Arab American Target

 

 

بيار مارون *

صفقة لا حرب

حين يطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دول خليجية وإسلامية الذهاب إلى سلام مع إسرائيل، تكون السعودية في مقدمة المعنيين. وحين يتزامن ذلك مع تصعيد إسرائيلي في لبنان، وتهديدات مباشرة لحزب الله تطال بيروت والضاحية، فيما تتحرك واشنطن وطهران نحو تفاهم محتمل لاحتواء الحرب في الشرق الأوسط، يصبح التزامن بحد ذاته مفتاحاً للقراءة.

ما يجري لا يبدو سلسلة أحداث منفصلة. إنه مشهد واحد: ضغط على الخليج، ضغط على لبنان، وتفاوض مع إيران. والسؤال ليس فقط ماذا تريد واشنطن من طهران، بل ماذا تريد من الرياض؟ وماذا سيكون ثمن هذه الصفقة على لبنان؟

كلما تحدّث ترامب عن إيران، تسارعت قلوب الخليج. وكثيرون يبنون قراءتهم على افتراض واحد: أن واشنطن تريد إنهاء النظام الإيراني، أو كسر ذراعه العسكرية، أو خوض مواجهة كبرى معه. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض خاطئاً من أساسه؟

ماذا لو أن ترامب لا يريد حرباً على إيران، بل صفقة معها؟ لا صفقة تُسقط النظام، بل تضبطه. لا صفقة تُنهي الخطر الإيراني، بل تعيد تسعيره. ولا صفقة تُطمئن الخليج بالكامل، بل تضعه أمام معادلة جديدة: إيران باقية، لكنها مضبوطة؛ والحماية الأميركية مستمرة، لكنها أغلى وأكثر ارتباطاً بالشروط السياسية.

ترامب يريد من السعودية التطبيع مع إسرائيل. السعودية تشترط مساراً واضحاً نحو دولة فلسطينية. إسرائيل ترفض. المعادلة وصلت إلى جدار. وترامب، حين يُغلق الباب الأمامي، لا يجلس ينتظر. يبحث عن باب خلفي.

والباب الخلفي اسمه إيران.

لكن ليس بالطريقة التي يتخيّلها كثيرون.

النظام الإيراني اليوم في واحدة من أضعف لحظاته. اقتصاده منهك، شارعه غاضب، ووكلاؤه في المنطقة خسروا كثيراً مما بنوه خلال عقدين. خامنئي يعرف، كما عرف الخميني عام 1988 حين قبل وقف إطلاق النار مع العراق وسمّاه “تجرّع كأس السم”، أن بقاء النظام أهم من الشعارات. والملف النووي، في هذه اللحظة، لم يعد ورقة قوة فقط. صار أيضاً عبئاً يستنزف الاقتصاد، ويبرر العقوبات، ويمنح واشنطن وتل أبيب ذريعة دائمة للضغط.

هنا يكمن الفخ الذي لا يراه كثيرون.

ترامب قد لا يريد إسقاط النظام الإيراني. قد يريد إعادة ضبطه. تتراجع إيران في ملفها النووي، أو تقبله تحت رقابة صارمة، وتحصل في المقابل على رفع تدريجي للعقوبات وضمانات غير مباشرة بعدم السعي إلى تغيير النظام. تبقى لاعباً إقليمياً، لكن داخل سقف أميركي أوضح. إيران لا تختفي من المعادلة. فقط يجري تهذيبها.

وهنا تبدأ المشكلة الخليجية الحقيقية.

الخليج لا يحتاج إلى قنبلة نووية كي يشعر بالتهديد. الجغرافيا وحدها تكفي. الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، المسيّرات، صواريخ الكروز، وشبكة الوكلاء، كلها أدوات قادرة على إبقاء السعودية ودول الخليج تحت الضغط حتى لو تراجعت إيران في الملف النووي.

بمعنى آخر، قد تُطمئن الصفقة واشنطن وتل أبيب، لكنها لا تُطمئن الرياض وأبوظبي والمنامة والكويت والدوحة. قد تقول أميركا: لا قنبلة نووية إيرانية، لا حرب مفتوحة، لا إغلاق لهرمز، ولا تهديد مباشر لإسرائيل. لكن الخليج سيسأل: وماذا عن الصواريخ التي تصل إلينا؟ ماذا عن المسيّرات؟ ماذا عن الحوثيين؟ ماذا عن الميليشيات العراقية؟ ماذا عن حزب الله؟ ماذا عن الأمن اليومي لا الأمن النظري؟

هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا قالت الرياض لا للتطبيع من دون دولة فلسطينية ومن دون ضمانات أمنية صلبة، هل يعاقبها ترامب بصفقة ناقصة مع إيران؟ هل يترك الخليج في منطقة رمادية دائمة: لا حرب شاملة، ولا سلام كامل؟

واشنطن كثيراً ما أدارت التهديد بدلاً من إنهائه. أحياناً لا تحتاج إلى عدو ساقط، بل إلى عدو مضبوط. عدو يكفي لإبقاء الحلفاء في حاجة إلى الحماية، لكنه لا يكفي لإشعال حرب لا تريدها أميركا. هكذا يصبح “البعبع الإيراني” جزءاً من النظام، لا خطراً خارجه.

والصفقة، إن حصلت، لن تكون أمنية فقط. ستكون اقتصادية أيضاً.

رفع العقوبات عن إيران، ولو تدريجياً، لا يعني فقط تحرير أموال مجمّدة أو عودة النفط الإيراني إلى الأسواق. يعني إعادة إدخال طهران إلى معادلة الطاقة والاستثمار والممرات التجارية والتسويات المالية. إيران المنعشة اقتصادياً، حتى لو كانت مروّضة عسكرياً، ستصبح أكثر قدرة على المناورة: أقل اندفاعاً نحو الحرب، لكنها أكثر حضوراً في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وعودة النفط الإيراني إلى الأسواق قد تقلّص قدرة الرياض على استخدام النفط كورقة ضغط سياسي في لحظات التوتر. كما أن انخفاض علاوة المخاطر في المنطقة قد يعيد توجيه الاستثمارات والممرات والمرافئ نحو خريطة أوسع لا تكون السعودية مركزها الوحيد.

السعودية هنا ليست هدفاً جانبياً، بل العقدة المركزية.

جزء كبير من الثقل السعودي تشكّل داخل المظلة الأميركية: البترودولار، الحماية العسكرية، صفقات السلاح، ودور المملكة في سوق الطاقة. هذا لا يلغي قوة الرياض الذاتية، ولا وزنها الديني والاقتصادي والسياسي، لكنه يذكّر بأن واشنطن قادرة دائماً على إعادة توزيع الأدوار. الإمارات وقطر والكويت والعراق قد تتحول إلى عقد إضافية في منظومة النفوذ الأميركية الجديدة، لا كبديل كامل عن السعودية، بل كجزء من توازن أوسع يخفف مركزيتها إذا أصرّت على شروطها.

لهذا لا تنظر السعودية إلى التطبيع كخطوة رمزية. هو ليس صورة في البيت الأبيض ولا بياناً دبلوماسياً. هو تحوّل استراتيجي له ثمن داخلي وعربي وإسلامي. فإذا طُلب منها أن تمنح إسرائيل سلاماً تاريخياً، بينما تحصل في المقابل على اتفاق لا يزيل التهديد الصاروخي ولا يضبط الوكلاء، فالصفقة تصبح غير متوازنة.

السعودية لا تريد أن تدفع ثمنين في وقت واحد: ثمن التطبيع مع إسرائيل، وثمن البقاء تحت ظل الصواريخ الإيرانية.

وفي هذا السياق بالضبط، يدخل لبنان إلى صلب المعادلة.

لبنان ليس تفصيلاً جانبياً في أي صفقة بين واشنطن وطهران. هو المكان الذي يظهر فيه الفرق بين تحجيم إيران وإنهاء نفوذها. فإذا قررت طهران دفع جزء من ثمن الصفقة من رصيد وكلائها، فإن حزب الله سيكون أول بند في الفاتورة. ليس بالضرورة عبر تفكيكه، ولا عبر دفعه إلى مواجهة شاملة، بل عبر ما هو أبطأ وربما أخطر: تقليص هامش حركته، وضع سقف جديد لقواعد اشتباكه، وتحويله تدريجياً من ذراع إقليمية مفتوحة إلى قوة محلية محاصرة بسقف جديد.

لكن السؤال الأصعب ليس ما ستفعله إيران بحزب الله. السؤال الأصعب هو: ماذا سيفعل لبنان بالمساحة التي قد تنفتح؟

لبنان لا يملك ترف الانتظار. اقتصاده منهار، مؤسساته شبه مشلولة، قطاعه المصرفي فقد ثقة اللبنانيين، ودولته عاجزة عن بسط سلطتها الكاملة على الحدود والمرافئ والمطار وقرار الحرب والسلم. في هذا الوضع، أي تراجع لحزب الله لن يتحول تلقائياً إلى فرصة. قد يتحول ببساطة إلى فراغ. والفراغ في لبنان لا يبقى فارغاً.

التاريخ أجاب مرة عن هذا السؤال بكلفة قاسية. عام 1982، أخرجت إسرائيل قيادة منظمة التحرير من بيروت. لكن الدولة اللبنانية لم تكن جاهزة لملء المكان. فجاء حزب الله. لم يولد الحزب فقط من فكرة إيرانية، بل من فشل لبناني في احتكار القوة، وحماية الأرض، وتنظيم علاقة البلد بمحيطه. وجدت الفكرة أرضاً خصبة لأن الأرض كانت متروكة.

اليوم قد يقف لبنان على عتبة مشابهة، ولو في ظروف مختلفة. فإذا ضعف حزب الله من دون دولة جاهزة للتقدم، فلن ينتج لبنان بالضرورة شيئاً أفضل. قد ينتج فراغاً جديداً باسم جديد، وسلاحاً جديداً تحت عنوان جديد، وتبعية جديدة بوجه مختلف.

وهنا يتقاطع مصير لبنان مباشرة مع حسابات الخليج.

الخليج لن يعود إلى لبنان لمجرد أن ميزان القوى تغيّر. السعودية وجيرانها لن يمولوا فراغاً جديداً، ولن يستثمروا في بلد قد يتحول مرة أخرى إلى منصة ضغط إيرانية أو ساحة مفتوحة لحروب الوكالة. المنطق بارد وبسيط: المال يتبع السيادة، لا الأمل.

والأمر نفسه ينطبق على الجميع. صندوق النقد لن ينقذ بلداً يرفض الإصلاح. المستثمرون لن يدخلوا اقتصاداً لا يعرفون من يملك قراره الفعلي. المغتربون لن يستعيدوا ثقتهم بمصارف لم تُحاسب. والمانحون لن يموّلوا دولة لا تسيطر على حدودها ولا تحتكر قرارها الأمني.

لهذا، ليست أزمة لبنان الاقتصادية وأزمة سيادته مشكلتين منفصلتين. إنهما المشكلة نفسها. لا يمكن بناء اقتصاد طبيعي في بلد يعيش تحت احتمال حرب دائمة. لا يمكن إنقاذ قطاع مصرفي في دولة لا تملك قرار الحرب والسلم. ولا يمكن إقناع الخليج بالعودة إلى بيروت فيما بيروت نفسها خارج منطق الدولة.

الفرصة، إن جاءت، لن تكون كريمة. لن تأتي كهدية من واشنطن، ولا كعودة عاطفية من الخليج، ولا كصحوة مفاجئة من الداخل. ستأتي بشروط: الدولة أولاً، الإصلاح أولاً، والقرار الواحد أولاً. ولن تنتظر.

المشكلة الجوهرية في لبنان لم تكن يوماً فقط قوة حزب الله، بل ضعف الدولة التي تقابله. إذا تراجع حزب الله ولم تتقدم الدولة، لن يكون لبنان قد ربح شيئاً. وإذا أُعيد ضبط النفوذ الإيراني ولم تُبنَ سلطة لبنانية مكانه، فسيبقى البلد معلقاً بين وصاية انتهت ودولة لم تبدأ فعلاً.

لبنان لا يحتاج فقط إلى أن يضعف حزب الله. يحتاج إلى أن تصبح الدولة قابلة للتصديق: في الميدان، في القضاء، عند الحدود، وفي المصرف. كل ما عدا ذلك تعليق على الهامش.

هنا يكمن الاختبار الحقيقي. ليس هل يضيق هامش حزب الله، بل هل يتسع هامش الدولة اللبنانية؟ ليس هل تدفع إيران جزءاً من الثمن، بل هل يتوقف لبنان أخيراً عن دفع أثمان صفقات الآخرين؟ ليس هل تمر تسوية إقليمية عبر بيروت، بل هل تكون بيروت جاهزة لتحويلها إلى فرصة وطنية؟

الخلاصة أن ترامب قد لا يريد حرباً. قد يريد صفقة. صفقة تضبط إيران من دون أن تُسقطها، وتُلجم الخليج من دون أن تتخلى عنه، وتعيد هندسة المنطقة بلا طلقة كبرى. الخطر لا يختفي دائماً. أحياناً يُعاد تسعيره. والحماية لا تنتهي دائماً. أحياناً تصبح أغلى.

لا حرب، لا سلام — بل صفقة تطمئن الكبار وتترك الصغار يعيشون تحت سقف القلق.

أما لبنان، فإن لم يقرأ اللحظة جيداً، فقد تمر الصفقة عبره كما مرت صفقات كثيرة من قبل: لا كفرصة أمسك بها، بل كثمن دفعه.

التاريخ لا يمنح الفرص مرتين بالسعر نفسه. وهذه المرة، قد يكون الثمن لبناناً يبقى على الخريطة، لكنه يختفي كدولة.


* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحّد (SOUL)

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment