الخوري الدكتور نبيل مونس
أحبّ أن أبدأ من القول الخالد للبطريرك الياس الحويّك: "أنا لا أستطيع أن أتّكل على السّياسة، إنّما على الله وعلى هذه المسبحة".
هذا القول يُدخلنا إلى عالمٍ من النور والرّوح، ويُخرجنا من عالم التاريخ المندثر والمتحوّل، المغموس بدماء الأبرياء، والمحكوم بالعنف والتزلّف والتسلّح، حتى النوويّ منه، وبعبادة إلهٍ قديمٍ جديدٍ ذي سلطانٍ وسحرٍ لا متناهيين، سمّاه Jesus Christ باسمه الحقيقي: المال، عندما قال: لا يمكنكم أن تعبدوا إلهين. وهذا القول مقدّس، لأنّه أُعطي لنا من فم المسيح يسوع، كلمة الله والرّب المخلّص، وكُتب لنا في كتاب الحياة، لكي يجد كلّ من يرى ويسمع خلاصًا حقيقيًا.
أولًا، إنّ الخلاص الحقيقي جاء من مريم، أولى المؤمنات والمؤمنين أجمع، وأولى المخلّصات والمنتصرات، بكلمة واحدة قالتها للحب الإلهي: «نعم». نعم لمشيئة الله الآب. فكان النصر الإلهي فيها ومعها.
وهذا ما عاشه البطريرك الحويّك، الذي واجه حربًا عالميّة، وخدعًا شيطانيّة لإسقاطه وقتله ومنعه من تحقيق لبنان الكبير، فانتصر رغم ضعفه، ونجح رغم فقره، وحقّق العدالة لشعبه وأمّته، لأنّه تمسّك باليد التي لا تُقهر: يد معونة المسيحيّين.
فلنفهم معنى هذا اللقب في التاريخ والرّوح. إنّه لقب مريميّ قديم يُطلق على السيّدة العذراء مريم، ويعني أنّ المؤمنين يلجأون إليها طالبين شفاعتها وعونها في الأوقات الصعبة والتجارب والحروب الروحيّة والجسديّة. وباللاتينيّة يُقال: Auxilium Christianorum.
هذا اللقب موجود في "الطِلبات اللوريطانيّة" التي أقرّتها الكنيسة الكاثوليكيّة، حيث نصلّي: يا معونة المسيحيّين، صلّي لأجلنا.
ويرتبط هذا اللقب بأحداث تاريخيّة عديدة رأى فيها المؤمنون حماية خاصة للعذراء، منها:
• الانتصار في معركة Battle of Lepanto سنة 1571.
• تحرير البابا Pope Pius VII من سجن نابليون سنة 1814، وبعد عودته أعلن عيد «مريم معونة المسيحيّين» في 24 أيار.
كما أنّ القديس John Bosco كان يحمل تكريمًا عظيمًا لهذا اللقب، وبنى كنيسة كبيرة باسم «مريم معونة المسيحيّين» في مدينة Turin، وكان يعلّم الشباب أن يثقوا بشفاعة العذراء في كلّ ضيق.
وفي الروحانيّة المسيحيّة، لا يعني هذا اللقب أنّ مريم تحلّ مكان الله، بل أنّها أمّ تصلّي وتتشفّع لأولادها وتقودهم إلى المسيح.
فبالثبات مع الله وفيه:
• ينتصر كلّ فرد، وكلّ جماعة، وكلّ وطن وأمّة مصلّية متمسّكة بالمسبحة، على عدوّها الأوّل: روح العالم الساقط، روح الشرّ والحسد القاتل.
• ويغلب الإنسان شهوات الجسد والملذّات الدنيئة المهلكة.
• أمّا النصر الأكبر، فهو انتصار الإنسان على عدوّه الدائم: الدجّال والشيطان نفسه.
لا يخفى على أحد أنّنا نعيش زمن التجربة والتخلّي والصراع، لكنّ الروح القدس أضاء لنا نورًا عظيمًا على دربنا لكي نسير فيه: نور القداسة والبطولة التي تجسّدت في حياة البطريرك الياس الحويّك.
فلنصمد، ولنرجُ، ولنصلِّ المسبحة يوميًا، متّكلين على الله، وحتمًا سنرى الخلاص.
هلمّ أيّها الروح القدس.













05/25/2026 - 12:32 PM





Comments