الاتفاق الأمريكي - الإيراني.. سلام مؤقت أم إعادة تشكيل للشرق الأوسط؟

05/25/2026 - 11:47 AM

Atlantic home care

 

 

بقلم: د. محمد نصار

في السياسة لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات أبدية، بل مصالح تتحرك وفق موازين القوة والاقتصاد والنفوذ. ومن هنا تبدو أي تفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران أبعد كثيرًا من مجرد اتفاق سياسي عابر، لأنها تمس قلب الشرق الأوسط، وتعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات والصراعات الممتدة منذ عقود.

العلاقة بين واشنطن وطهران ظلت لعشرات السنوات عنوانًا للتوتر والتهديد والعقوبات، بداية من الثورة الإيرانية عام 1979، مرورًا بأزمات البرنامج النووي، وصولًا إلى المواجهات غير المباشرة في العراق وسوريا واليمن ولبنان والخليج. لكن رغم هذا الصراع الطويل، لم تغلق أبواب التفاوض يومًا، لأن الطرفين يدركان أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة للجميع.

اليوم، ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية العالمية، واستمرار الحرب في أوكرانيا، واحتدام المنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا، تبدو واشنطن أكثر ميلًا لتهدئة الملفات المشتعلة في الشرق الأوسط، خاصة أن الإدارة الأمريكية لم تعد ترغب في الانخراط العسكري المباشر كما كان الحال في العقود الماضية. وفي المقابل، تدرك إيران أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات أثقلت الداخل الإيراني، وأن أي انفراجة مع الغرب قد تمنحها مساحة للتنفس السياسي والاقتصادي.

لكن السؤال الأهم: هل نحن أمام اتفاق يصنع السلام فعلًا؟ أم أمام ترتيبات جديدة لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة؟

الواقع يقول إن أي تقارب أمريكي - إيراني لن يكون قائمًا على الثقة، بل على إدارة المصالح. فواشنطن تريد ضمان أمن إسرائيل، وتأمين الملاحة والطاقة، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. بينما تسعى طهران للاعتراف بدورها الإقليمي، ورفع العقوبات، والحفاظ على نفوذها في المنطقة. وهنا تبدأ ملامح الشرق الأوسط الجديد.

فإذا حدث اتفاق حقيقي، فإن خريطة التحالفات ستتغير بصورة كبيرة، وقد نشهد تهدئة في بعض ساحات الصراع، خصوصًا في اليمن والعراق، وربما انفراجًا نسبيًا في لبنان وسوريا ، لكن في الوقت نفسه، ستشعر قوى إقليمية عديدة بالقلق من تنامي النفوذ الإيراني إذا حصلت طهران على مكاسب سياسية واقتصادية واسعة.

كما أن إسرائيل تراقب المشهد بحذر شديد، لأنها ترى أن أي تخفيف للضغوط على إيران قد يمنحها قوة أكبر في المستقبل، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تصعيد سياسي أو أمني لإفشال أي تفاهم لا يحقق مصالحها بالكامل.

الأمر لا يتعلق فقط بإيران وأمريكا، بل بمستقبل المنطقة كلها ، الشرق الأوسط يعيش بالفعل مرحلة إعادة تشكيل، ليس فقط سياسيًا، ولكن اقتصاديًا واستراتيجيًا أيضًا. هناك سباق على الموانئ والطاقة وخطوط التجارة والتحالفات العسكرية والتكنولوجيا، وكل دولة تحاول تثبيت مكانها في النظام الإقليمي الجديد.

لذلك فإن الاتفاق الأمريكي - الإيراني، إن حدث، لن يكون نهاية للصراع، بل ربما بداية لمرحلة مختلفة من إدارة الصراع بأدوات أكثر هدوءًا وأقل صخبًا، لكنها أكثر عمقًا وتأثيرًا.

فالسلام الحقيقي لا تصنعه الاتفاقات وحدها، بل تصنعه العدالة والاستقرار والتنمية واحترام سيادة الدول. أما الاتفاقات السياسية الكبرى، فهي غالبًا مجرد محطات تعيد ترتيب الأوراق قبل جولة جديدة من التنافس.

ويبقى السؤال مفتوحا: هل يتجه الشرق الأوسط نحو الاستقرار أخيرا؟

أم أننا أمام نسخة جديدة من الصراع.. ولكن بقواعد مختلفة؟

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment