بقلم: مارون سامي عَزّام
عندما تجني الأنظمة العربية على إبداع الأديب، تتحوّل أفكاره إلى محاضر اتّهام، ويغدو قلمه في نظرها أداةً لزعزعة عروشٍ تخشى الحقيقة أكثر ممّا تخشى فسادها. هكذا فقط تستطيع أجهزة المخابرات أن تُحوّل أوراق المبدع إلى ستائر كثيفة تُخفي خلفها عيوب الأنظمة، بعدما عجزت عن احتمال نقدٍ مُبطَّنٍ تسلّل إليها من بين سطور الأدب. لم تسمح تلك الأنظمة يومًا لحرّيّة التعبير أن ترفع رأسها، لذا ظلّت تُطاردها، تدفعها بعيدًا عن الوطن العربي. الكلمة الحرّة بالنسبة إليها ليست حقًّا مشروعًا، بل تمرّد يستوجب المراقبة والتأديب. النظام العربي المُنهك والفاسد يسعى دائمًا إلى عدم الانجراف وراء ديمقراطية الغرب، لذلك يلجأ إلى التنكيل بالإبداعات التي لا ترتاح لها.
آمال الأمة العربيّة رهينة مزاجيّة حُكّامها، حتّى غدا أدبها صحراءً قاحلةً، خاليةً من ثمار الحرية، لا يَقدِر على توجيه إصبع الاتهام إلى النّظام الحاكم، لوجود أجهزة تنصُّت ووشاة في مختلَف المجتمعات العربيّة والمؤسّسات. أصبح الحكّام المطرقة والأُدباء السندان، لتلقينهم دروسًا ترهيبيَّة في كيفية احترام النّظام. لقد بات الخوف السلاح النَّفسي الأبقى لاستمرار الأنظمة، متحكِّمًا بأفكار المبدعين العرب، ولا يُسمح بدخول ميدان السياسة إلّا لأذيال الأنظمة الموالين لنهجها، وتُجيز انتقاد السياسات الإقليميّة المعادية لها، لكن الويل لأي مبدع إذا حاول رفع سقف انتقاده، فعندئذ سيهدمونه فوق رأسه.
قناة "الجزيرة" تُعتَبر دعائيًّا "رائدة الحريّة الإعلاميّة" من منظور آل ثاني فقط، لا تنتقد العائلة الحاكمة المموِّلة لها، الدّاعمة لأي إعلام إسلامي متطرف منحاز إليها. اعتاد مذيعو "الجزيرة" على مهاجمة الأنظمة العربيّة، وعلى رأسها سوريّا في عهد النظام السابق، الذي جعلوه عدوّهم الأوحد والأكثر ملاءمةً لنهج القناة. وعندما زار حسني مبارك مبناها لقّبها بـ"علبة الكبريت"، لأنها تُشعل نار الفتنة بين العرب.
وضع الإبداع العربي، الذي لا يشكّ أحد بمأسويّته، أعاد إلى أرشيف ذاكرتي جملةً رائعةً تختصر هذا الواقع، قالها دريد لحام في مسرحيته "ضيعة تشرين" عندما سيق "كالسَّخل" إلى التحقيق قائلًا بتهكُّم: "الواحد بَطّل يسترجي يفتح تمّو إلاّ عند دكتور الأسنان". القهر والإذلال اللذان تنتهجها الأنظمة العربية، مفعولهما قوي لكمّ أفواه المبدعين، ووأد إبداعاتهم في مهدها.
من أشهر ضحايا قمع حرية الإبداع، دريد لحام الذي اتّجه لاحقًا إلى مواقف أكثر موالاة، والممثل العالمي عمر الشريف الذي مثّل أفلامًا عالمية في هوليود خلال الستينيات والسبعينيات... بعد أن أضافه جمال عبد الناصر إلى القائمة السوداء ومنعه من دخول مصر آنذاك، إضافةً إلى كبار الشعراء العرب الذين عاشوا قسرًا خارج أوطانهم، أمثال مظفر النواب ومحمد مهدي الجواهري وغيرهم، جميعهم خضعوا للتحقيق، متلقّين دروسًا "تأديبية" في كيفية التعامل بلباقة مع أنظمتهم. ما زالت القائمة تزداد طولًا حتى اليوم، وغدت حزامًا يلفّ خاصرة الجسد العربي الراقص في ملاهي أوروبا الليلية، وغدا فرجةً للغرب الذي يقدّس حرية الإبداع.
كتابات الأدباء العرب، من تحليلاتٍ أو حتى مقالات، قد تتحوّل "بقدرة قادر" إلى لوائح اتّهام ضدّهم من قِبَل أجهزة أمن الدولة الرهيبة، ولا أحد يعلم مصيرهم، فغالبًا ما تُصفّيهم أجهزة المخابرات جسديًا، أو تلاحقهم في منافيهم، لتنفي أرواحهم إلى خارج حدود الحياة، أو يُقبعون في السجون مدى الحياة، حتى تحين ساعة أجلهم.
هذا هو حال المبدع العربي، المغلوب على أمره في مختلف المجالات، إذ أصبح أديبًا لاجئًا في الغربة، مُهجّرًا من وطنه، عرضةً للتحقيقات كلّما طلبته المخابرات، ليكتب في محاضرها المزيّفة اعترافاتٍ وهميّة تُرضي أهواء السلطة. الكاتب العربي في هذا العصر بات أداةً مؤثّرة بوجود معارضي الأنظمة وانتشار مواقع التواصل، استطاع بعضهم تحريض المواطن من خلال منشوراتهم النقديّة الحادّة، أو بتصوير الفيديوهات سرًّا، أو خلال وجودهم في بلاد الاغتراب، ممّا ساهم في اشتعال موضة "الربيع العربي" المزعوم والمفبرك.
لقد استطاعت أجهزة المخابرات تحويل مواقع التواصل إلى منصّات تآمر معادية لأنظمتها، لتقوية قوانين الطوارئ في بلدانها، كما حصل مع بشار الأسد الذي أطلق "ربيع دمشق" عام 2001، بوصفه بادرةَ حسن نيّة منه لتجربة حرية التعبير المحرَّمة... يومها انتشرت صُحُف المعارضة والمنتديات الحواريّة، لكن بضغطٍ من الحرس القديم عاد النظام إلى الاعتقالات السياسية، ليُثبت أنّه لا يحتمل سماع الرأي الآخر. سيبقى الإبداع العربي قابعًا في سجون قمع الإبداع، مُعَذَّبًا بسياط الجهل والتخلّف، كما شُوِّهت كتابات المبدع العربي "الخائن"، إلى أن ضاعت نداءاته العادلة بين دهاليز كتم صوته، ولن ترحم الأنظمة يومًا فكره أو إبداعه.













05/25/2026 - 11:01 AM





Comments