معتز فخرالدين *
كيف انتقل لبنان من لحظة الانتصار الوطني إلى زمن الانكشاف الشامل؟
في كل عام، يعود الخامس والعشرون من أيار بوصفه واحدة من أكثر اللحظات حضورًا في الذاكرة الوطنية اللبنانية؛ يوم اندحر الاحتلال الإسرائيلي عن معظم الجنوب اللبناني تحت ضغط المقاومة، في مشهدٍ بدا حينها وكأنه يؤسس لمرحلة جديدة من الكرامة الوطنية واستعادة الدولة لسيادتها ودورها. لم يكن ذلك الحدث تفصيلًا عابرًا في تاريخ لبنان الحديث، بل لحظة نادرة التقت فيها المشاعر الشعبية مع المعنى الوطني، وتحوّل فيها الجنوب إلى رمز يتجاوز جغرافيته الضيقة ليعبّر عن إمكانية كسر ميزان قوة طالما بدا ثابتًا في الوعي العربي.
في تلك اللحظة، لم يكن الانتصار مجرد حدث عسكري، بل كان حدثًا نفسيًا وسياسيًا أعاد تشكيل الوعي الجمعي. وقد اكتسبت حزب الله، بوصفه القوة الأساسية في مواجهة الاحتلال، شرعية واسعة تجاوزت بيئته المباشرة، وتحوّل إلى رمز للتحرر الوطني في نظر شريحة كبيرة من اللبنانيين والعرب، في زمن كانت فيه الهزائم تتراكم والخيارات تتضاءل.
غير أنّ ربع قرن تقريبًا كان كافيًا لقلب المشهد رأسًا على عقب. فلبنان الذي احتفل يومًا بالتحرير، يجد نفسه اليوم غارقًا في واحدة من أخطر أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما عادت أجزاء من الجنوب لتعيش تحت نار الحرب والدمار والتهجير، وسط انكشاف غير مسبوق للدولة والمجتمع. وبين لحظة التحرير ولحظة الانهيار، لم يتبدّل الحدث فقط، بل تبدّلت معه وظيفة القوة، وطبيعة الفعل السياسي، وحدود العلاقة بين السلاح والدولة.
لقد تأسست الشرعية التاريخية للحزب على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وهي حقيقة لا يمكن تجاوزها أو إنكارها. لكن الإشكالية العميقة بدأت حين تحوّل هذا الاستثناء التاريخي إلى قاعدة سياسية دائمة، وانتقل الحزب تدريجيًا من إطار مقاومة محدد الهدف والزمان، إلى قوة تمتلك فائضًا عسكريًا وسياسيًا يتجاوز الدولة، ويرتبط بصورة متزايدة بتوازنات الإقليم وصراعاته المفتوحة. وهنا بدأ السؤال الجوهري يفرض نفسه داخل التجربة اللبنانية: هل بقي السلاح أداة دفاع وطني، أم تحوّل إلى عنصر يعيد تشكيل الدولة بدل أن يكون جزءًا منها؟
بعد التحرير عام 2000، بدا أن لبنان يقف أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء دولته على قاعدة السيادة الكاملة. كان يمكن لذلك التحول أن يشكّل لحظة انتقال من منطق المقاومة إلى منطق الدولة، ومن منطق الطوارئ إلى منطق المؤسسات. غير أنّ المسار الفعلي اتجه في اتجاه مختلف؛ إذ لم يُدمج السلاح داخل الدولة، بل استمر كقوة موازية لها، ما أدى إلى تكريس ازدواجية غير مستقرة في بنية السلطة اللبنانية.
ومع الوقت، لم يعد حزب الله مجرد تنظيم مقاوم، بل أصبح فاعلًا مركزيًا في القرار السياسي والأمني، يمتلك قدرة على التأثير في اتجاهات الدولة ومواقفها الاستراتيجية. وهكذا بدأ لبنان ينتقل تدريجيًا من لحظة الإجماع حول المقاومة إلى لحظة الانقسام حول تعريفها وحدودها ووظيفتها. ولم يعد الخلاف سياسيًا فحسب، بل أصبح خلافًا حول معنى الدولة نفسها: دولة سيادة موحّدة، أم دولة توازنات متداخلة مع قوى موازية.
لكن ما يجب التوقف عنده بعمق أكبر هو أن هذا الاختلال لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تفاعل بنيوي بين ثلاث قوى داخل النظام اللبناني: السلطة السياسية، والمال، والسلاح. فقد تشكّل عبر العقود تداخل معقد بين منظومة سياسية قائمة على المحاصصة، ومنظومة مالية ريعية، وقوة مسلحة خارج الدولة، بحيث أعاق هذا المثلث قيام دولة فعلية قادرة على احتكار القرار وبناء المؤسسات. فبدل أن تتجه الدولة نحو تقوية مركزها، تحولت إلى ساحة توازنات بين قوى متداخلة لكل منها أدواتها ونفوذها ومصالحها.
ولا يمكن فهم هذا المسار من دون العودة إلى البنية التأسيسية التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب، أي اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية لكنه أسّس في الوقت نفسه لنظام محاصصة طائفية أعاد توزيع السلطة بدل أن يعيد بناء الدولة. فقد أنتج الطائف توازنًا هشًا بين المكونات السياسية دون أن ينجح في إنتاج دولة مدنية مكتملة، ما جعل المؤسسات عرضة للتعطيل وإعادة إنتاج الأزمات بدل تجاوزها.
وتعزز هذا التحول مع تصاعد الارتباط بالمشهد الإقليمي، بحيث بات لبنان أكثر انكشافًا أمام صراعات تتجاوز قدرته على التأثير. ومع مرور الوقت، لم يعد القرار الوطني مستقلاً بالكامل، بل أصبح يتأثر بتشابك معقد بين الداخل والخارج، حيث تتداخل الحسابات اللبنانية مع ديناميات إقليمية أوسع، الأمر الذي زاد من هشاشة الدولة وأضعف قدرتها على إنتاج سياسة مستقرة.
ثم جاءت أحداث السابع من أيار 2008 لتشكل نقطة انعطاف حادة في الوعي السياسي اللبناني. ففي تلك اللحظة، انتقل السلاح من وظيفة الردع الخارجي إلى وظيفة التأثير الداخلي المباشر، حين اجتاح مسلحو حزب الله وحلفاؤه أجزاء من بيروت والجبل، في سياق مواجهة قرارات حكومية داخلية. وقد شكّل ذلك الحدث لدى شريحة واسعة من اللبنانيين لحظة تحول رمزي عميق، إذ لم يعد السلاح يُنظر إليه كضمانة ضد الخارج فقط، بل كعامل حاسم داخل التوازنات الداخلية أيضًا.
لكن التحول الأكبر جاء مع اندلاع الحرب في سوريا عام 2011. فمع انخراط الحزب المباشر في تلك الحرب، خرج من تعريفه التقليدي كحركة مقاومة ضد الاحتلال، ليدخل في فضاء إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه السياسة مع الصراع الميداني والهويات الطائفية والتجاذبات الدولية. ومع هذا التحول، لم يعد يُنظر إليه في الإطار العربي بوصفه حركة تحرر فحسب، بل بوصفه جزءًا من شبكة نفوذ إقليمي واسع يتجاوز حدود الدولة اللبنانية.
وقد انعكس ذلك مباشرة على لبنان نفسه، إذ دخل البلد تدريجيًا في حالة انكشاف سياسي واقتصادي متصاعد. فالعزلة العربية اتسعت، والثقة الدولية تراجعت، والاستثمار تقلص، فيما كانت الدولة تفقد قدرتها على التحكم بمسارها الداخلي والخارجي. ولم يعد الانهيار لاحقًا نتيجة أزمة واحدة، بل حصيلة تراكم طويل لاختلال التوازن بين الدولة والقوة، وبين السيادة والارتباطات الإقليمية، وبين منطق المؤسسات ومنطق الاصطفافات.
ومع الانهيار المالي بعد عام 2019، لم يكن المشهد الاقتصادي إلا التعبير الأوضح عن انهيار أعمق في بنية الدولة. فقد انهار النظام المصرفي، وتآكلت العملة، وتراجعت الطبقة الوسطى، وتحولت الهجرة إلى خيار جماعي واسع. ولم يعد اللبناني يواجه أزمة معيشية فقط، بل أزمة ثقة وجودية بالدولة وإمكان استمرارها.
لكن الانهيار لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سبقه انفجار اجتماعي وسياسي عميق تمثل في حراك 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، حين خرجت شرائح واسعة من المجتمع اللبناني في احتجاج غير مسبوق على المنظومة الحاكمة. وقد شكّل هذا الحراك لحظة وعي جماعي بحدود النظام القائم، ورفضًا صريحًا لبنية تقوم على تداخل السلطة والمال والسلاح، لكنه اصطدم في المقابل بغياب قيادة موحدة وبنية سياسية قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع دولة بديل.
والمفارقة الأكثر قسوة أن البيئة التي احتضنت المقاومة وقدّمت لها التضحيات الكبرى، أصبحت من أكثر البيئات دفعًا لأثمان هذا المسار الطويل. فالحرب لم تعد حدثًا عابرًا، بل تحولت إلى حالة استنزاف ممتدة انعكست على الحياة اليومية، وعلى فرص الشباب، وعلى البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.
ثم جاءت المواجهات الأخيرة مع إسرائيل لتعيد الجنوب إلى مشاهد الدمار والنزوح والخوف، وكأن لحظة التحرير الأولى لم تُترجم إلى استقرار دائم، بل إلى دورة جديدة من الانكشاف المتكرر. وهكذا بدا أن الدولة اللبنانية، في كل مراحلها، تقف عاجزة أمام حماية مواطنيها أو فرض سيادتها الكاملة.
ولا يكتمل فهم هذا المسار من دون وضعه في سياقه الإقليمي والدولي الأوسع. فلبنان لم يكن يومًا جزيرة معزولة عن توازنات المنطقة، بل كان دائمًا ساحة تتقاطع فيها الصراعات الكبرى. فاستمرار التهديد الإسرائيلي جنوبًا، وما يرافقه من دورات تصعيد متكررة، شكّل عنصر ضغط دائم على البنية اللبنانية الهشة، وأبقى حالة الاستثناء الأمني والسياسي قائمة حتى بعد الانسحاب عام 2000.
كما أن الانهيار اللبناني لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية الكبرى، خصوصًا منذ الحرب في سوريا وتراجع أنماط التوازن العربي التقليدي، ما جعل لبنان أكثر انكشافًا أمام صراعات تفوق قدرته على الاحتواء. وفي هذا السياق، جاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 بوصفه لحظة كاشفة لا فقط لحجم الفساد والإهمال، بل لعمق اختلال الدولة ككل، حيث انهارت الثقة بالمؤسسات بصورة شبه كاملة.
أمام هذا المشهد المركّب، برزت في النقاشات الفكرية والسياسية فكرة “الحياد الإيجابي” أو “النأي بالنفس الموسّع” كخيار نظري لمحاولة إخراج لبنان من منطق الاصطفافات الإقليمية الدائمة. غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته النظرية، يصطدم ببنية داخلية غير مكتملة السيادة من جهة، وببيئة إقليمية مضطربة من جهة أخرى، ما يجعل تطبيقه مرهونًا بإعادة تعريف جذرية لدور الدولة قبل أي تسوية سياسية.
غير أنّ نقد هذه التجربة لا يعني تبنّي رواية خصومها أو إنكار حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، بل محاولة لفهم التحول العميق في معنى المقاومة نفسها. فالفكرة التي تنطلق من حماية الوطن تفقد معناها حين يتحول الوطن ذاته إلى ساحة استنزاف مفتوحة، وحين تصبح الدولة أضعف من أن تحمي مجتمعها أو تحدد خياراته.
لقد كشفت التجربة اللبنانية أن فائض القوة لا يصنع دولة مستقرة، وأن الشرعية التي تُكتسب في لحظة التحرير يمكن أن تتآكل إذا لم تتحول إلى مشروع دولة متكامل. كما كشفت أن المجتمعات لا تستطيع العيش طويلًا داخل منطق التعبئة الدائمة، بل تحتاج إلى الاستقرار والمؤسسات والاقتصاد كشرط أساسي لاستمرارها.
وهكذا يقف لبنان اليوم أمام مفارقة تاريخية قاسية: بلد احتفل بالتحرير، لكنه يجد نفسه في لحظة لاحقة أمام سؤال وجودي لا يقل خطورة عن سؤال التحرير نفسه: كيف تُستعاد الدولة قبل أن يبتلع الانهيار ما تبقّى منها؟
* كاتب وباحث لبناني













05/25/2026 - 10:56 AM





Comments