بقلم شربل عبد الله أنطون
لم تعاقب وزارة الخزانة الأميركية بعض قادة ميليشيا «حزب الله» فحسب، بل عاقبت منظومة كاملة في لبنان. بدءاً من إدراج تسعة أشخاص على لوائح العقوبات، بينهم نواب من «حزب الله» ومسؤولين أمنيين في حركة «أمل»، ودبلوماسي إيراني متهم بتنسيق شبكات الدعم الإقليمية التابعة لـ«حزب الله».
هذه اللائحة لا تُمثّل تصعيداً في الحجم، بل تحوّلاً في طبيعة الاستهداف.
لكن الأكثر دلالة كان إدراج العقيد سامر حمادة، رئيس مكتب مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله»، والعميد خطار ناصر الدين، رئيس دائرة التحليل في الأمن العام اللبناني، الجهاز المعني بحركة الحدود والجوازات. كلاهما لا يقود قوات قتالية، لكن كليهما يمسك بمفاتيح المعلومات.
البيان السريع الذي أصدره الجيش اللبناني مؤكداً "ولاء" ضباطه وجنوده عقب إدراج حمادة، بدا بحد ذاته كاشفاً. فمؤسسة لم تكن ترى ضرورة للرد، شعرت فجأة بأنها مضطرة إلى ذلك. هذا السلوك الدفاعي كان متوقعاً، لكن إلى أي مدى ستستطيع البيانات التغطية على "الأفعال" التي تخرق الولاء للمؤسسة والوطن؟.
لسنوات، تعاملت واشنطن مع «حزب الله» وكأنّه مجرّد ميليشيا تعمل على هامش الدولة اللبنانية؛ لكن الواقع مختلف. فـ «حزب الله» يدين ببقائه إلى الدولة اللبنانية ذاتها، بأجزاء من برلمانها وأجهزتها الأمنية وإدارتها، فهي التي وفّرت له الحماية، وشرعنت نفوذه، وكرّست شرعية سلطته الموازية. تلك هي البنية التي أرساها قاسم سليماني: ميليشيا مندمجة مع المافيا اللبنانية، وسلاح تحميه شبكاتُ المحسوبية السياسية، ونفوذ يُدار عبر التواطؤ المؤسساتي.
إن فرض عقوبات على نواب من «حزب الله» أمر معتاد. أما استهداف ضابط في الجيش، فهو الجديد فعلاً؛ والفارق هنا بالغ الأهمية. فالجيش اللبناني كان يُعتبر منذ أمدٍ بعيد «الخط الأحمر» بالنسبة إلى واشنطن، والمؤسسة الوحيدة التي تستحق الحماية، والركيزة المتبقية للسلطة الشرعية للدولة في جمهوريةٍ أفرغها التآكل من مضمونها. ويُشير إدراج كلٍ من حمادة وناصر الدين على قوائم العقوبات الأميركية إلى أن هذه الحماية باتت مشروطةً الآن؛ إذ لم تعد البَزّة العسكرية الرسمية تمنح حصانةً لمرتديها، إذا ما كان يخدم من خلالها الهيكل الأمني لميليشيا "حزب الله" أو غيرها.
ويلي ذلك في الأهمية البعد المتعلق بحركة «أمل». فواشنطن دأبت تاريخياً على الفصل بين حركة «أمل» و«حزب الله»، في ذريعة ذات منفعة سياسية أتاحت لها التعامل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بالتزامن مع فرض عقوبات على «حزب الله» حليف برّي. لكن استهداف شخصيات أمنية مرتبطة بـ«أمل» يُسقط هذه المعادلة، ويعكس فهماً أميركياً أكثر واقعية لكيفية عمل السلطة في لبنان، والتي لا تقوم على أساس كتل طائفية منفصلة، بل تشكل منظومة متشابكة من النفوذ، والإكراه، والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وثمة زاوية إضافية تستحق مزيداً من الاهتمام، ألا وهي أن العقوبات تستهدف بالفعل مؤسسات تتجاوز جهاز «حزب الله» ذاته؛ فالمعاقبون الآخرون يمثلون المنظومة الأوسع التي تُمكّن "دولة الظل" الخاصة بهذا الحزب من العمل. إن انهيار لبنان لم يكن نتيجة عمل ميليشيا واحدة فقط، بل نتيجة منظومة كاملة من الزبائنية والتواطؤ وتداخل المصالح الذي يتجاوز الحدود التنظيمية.
إن التوقيت أيضاً ليس عابراً. فالعقوبات تأتي عشية محادثات أمنية لبنانية - إسرائيلية، مع اجتماع عسكري مرتقب في 29 أيار ومفاوضات سياسية في واشنطن بين 2 و3 حزيران. والرسالة الأميركية واضحة: إن كلفة حماية امتيازات «حزب الله» لم تعد صفراً.
مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الضغط والتحوّل. فالنظام الذي بناه «حزب الله» صُمم ليكون قابلاً للتكيّف مع الضغوطات. وهو بالتالي سيُعيد توجيه التمويل، ويحمي شبكاته، وينتظر تبدّل الأولويات الغربية،
كما فعل طوال عقود. وقد سارع الحزب إلى التقليل من شأن العقوبات، معتبراً أنها "عديمة الأثر تماماً". وهذا القول ينطوي على شيء من المبالغة والتهويل، ولكنه يحمل في طياته أيضاً قدراً من الحقيقة.
العقوبات وحدها لن تنزع سلاح «حزب الله»، ولن تُعيد السيادة المصادَرة إلى الدولة اللبنانية. غير أنّ ما بوسعها فعله — إذا فُرِضت بصرامة واستمرّت بلا تردّد — هو رفع كلفة التواطؤ إلى مستوى لا يمكن تجاهله. كما بوسعها أن تُعرّي الحقيقة التي حاولت المنظومة طمسها لسنوات وهي أنّ المسؤولين الرسميين الذين يسهّلون عمل «حزب الله» ليسوا خارج منظومته، بل جزءٌ عضوي منها، وحلقة أساسية في بنيتها. كما قد تمنح العقوبات دعاة الإصلاح داخل لبنان حجة أقوى؛ إن بقاء مؤسسات الدولة بات يتطلب استقلالها الفعلي.
وإن صحّت التقارير عن أن هناك أكثر من مئة اسم إضافي قيد الدرس حالياً داخل الإدارة الأميركية؛ وهو رقم قد يشير إلى حملة مستمرة من العقوبات لا إلى خطوة رمزية عابرة. وإذا ما مضت واشنطن قدماً في هذا المسار —موسعةً نطاق التصنيفات ليشمل المتعاونين مع «حزب الله» في المجالات القضائية والمالية والإدارية— فإنها بذلك ترسي بنية مستدامة للمساءلة لا مجرد لائحة عقوبات.
والسؤال المطروح هو ما إذا كان ذلك سيحدث بالفعل. فالولايات المتحدة تمتلك تاريخاً موثقاً في ممارسة الضغوط عند المنعطفات الحاسمة في لبنان، ثم تتراجع حين تتبدل أولويات المنطقة. وهذا ما تنتظره منظومة «حزب الله» المُصمَمة أساساً لتتجاوز السياسات الأميركية، وقد نجحت في ذلك سابقاً.
في المحصلة، تُعد هذه العقوبات الإجراء الأميركي الأكثر أهميةً، من حيث البنية والاستهداف، ضد شبكة «حزب الله» منذ سنوات. والسؤال عما إذا كانت هذه العقوبات ستصبح نقطة تحوّل فارقة، أو مجرد فصل إضافي في تاريخ طويل من الضغوط الأميركية غير الكافية، يتوقف على أمر واحد: ما إذا كانت واشنطن ستثبت على نهجها هذا لفترةٍ كافيةٍ تجعل من تكلفة التواطؤ مع «حزب الله» عاملاً يُغيّر فعلياً الحسابات السياسية اللبنانية.
وهذا الأمر ليس مضموناً؛ غير أنه، وللمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، بات أمراً ممكناً.













05/25/2026 - 10:24 AM





Comments