بيروت - حورج ديب
مع اقتراب الجولة الجديدة من المحادثات الأمنية والعسكرية بين لبنان وإسرائيل، المقررة يوم الجمعة المقبل في مقر وزارة الحرب الأميركية «الپنتاغون»، تتجه الأنظار إلى واشنطن حيث تتبلور ملامح مرحلة دقيقة في مسار التفاوض غير المباشر بين الطرفين، وسط إصرار أميركي متزايد على الفصل الواضح بين الدولة اللبنانية بمؤسساتها الشرعية وبين الفصيل المسلح العامل خارج إطارها. هذا التوجه الأميركي يأتي في لحظة سياسية حساسة داخلياً، إذ تتمسك الرئاستان الأولى والثالثة في لبنان بتكريس سلطة الدولة الواحدة وقرارها الوطني المستقل، في محاولة لإعادة تثبيت موقع المؤسسات الرسمية في إدارة الملفات السيادية، وفي مقدمتها الأمن والحدود والعلاقات الخارجية.
وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن واشنطن تسعى في هذه الجولة إلى إعادة ضبط الإطار العام للمفاوضات، بحيث تكون الدولة اللبنانية، ممثلة بمؤسساتها العسكرية والدبلوماسية، الطرف الوحيد المخوّل التفاوض وتقديم الالتزامات. ويأتي هذا التوجه في سياق رغبة أميركية في منع أي التباس بين موقف الدولة ومواقف القوى غير الرسمية، خصوصاً في ظل التطورات الميدانية على الحدود الجنوبية، وما رافقها من رسائل متبادلة بين الأطراف الإقليمية والدولية. وتعتبر الإدارة الأميركية أن تعزيز دور الجيش اللبناني في هذه المرحلة يشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، ولإظهار قدرة الدولة على الإمساك بقرارها الأمني بعيداً عن الضغوط الداخلية والخارجية.
وفي هذا الإطار، علمت «الأنباء» أن تركيبة الوفد اللبناني إلى محادثات «الپنتاغون» أُرسلت رسميًا إلى الجهات الأميركية المعنية، وأنها جاءت مدروسة بعناية لتعكس وحدة المؤسسة العسكرية وتوازنها الوطني. فالوفد يضم ضباطًا من مختلف الطوائف اللبنانية، في رسالة واضحة بأن الجيش، بصفته المؤسسة الوطنية الجامعة، هو الجهة المخوّلة تمثيل لبنان في الملفات الأمنية الحساسة. وسيترأس الوفد العميد جورج رزق الله، مدير العمليات في الجيش اللبناني، وهو ضابط يتمتع بخبرة واسعة في الملفات الحدودية والتنسيق الدولي. ويضم الوفد أيضًا العميد زياد رزق الله، والعميد عمر حليحل، والعميد وائل عباس، والعقيد مازن الحاج، والعقيد وديع رفول، إضافة إلى الملحق العسكري في السفارة اللبنانية في واشنطن العميد أوليفر حاكمة، الذي سبق أن شارك في آخر جولة محادثات امتدت يومين برئاسة السفير السابق سيمون كرم.
وتعكس هذه التركيبة، وفق مصادر مطلعة، رغبة لبنانية واضحة في تأكيد أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على إدارة الملف الأمني الحدودي، وأنه يمتلك الشرعية الوطنية والدستورية للقيام بهذا الدور. كما أن اختيار ضباط من مختلف الطوائف يهدف إلى إرسال رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل اللبناني بأن المؤسسة العسكرية لا تزال النموذج الأكثر تماسكاً ووحدة في البلاد، والثانية إلى الخارج بأن لبنان الرسمي يتحدث بصوت واحد، بعيداً عن الانقسامات السياسية التي لطالما أثرت على موقعه التفاوضي.
وتشير المعطيات إلى أن الجانب الأميركي يولي أهمية خاصة لدور الجيش اللبناني في هذه المرحلة، ليس فقط بصفته شريكاً أمنياً، بل باعتباره ركيزة أساسية في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالحدود الجنوبية. فواشنطن، بحسب مصادر دبلوماسية، ترى أن تعزيز قدرات الجيش وانتشاره على طول الخط الأزرق يشكلان شرطاً ضرورياً لأي اتفاق مستدام، سواء كان اتفاق تهدئة أو ترتيبات أمنية طويلة الأمد. كما تعتبر أن دعم الجيش هو السبيل الوحيد لضمان تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها، خصوصاً في ظل التعقيدات السياسية الداخلية التي قد تعرقل تنفيذ الالتزامات.
وفي موازاة ذلك، تبرز في الكواليس الدبلوماسية نقاشات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه الجيش في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى مراقبة الحدود، أو ضبط أي خروقات محتملة، أو المشاركة في آليات التحقق الدولية. وتشير المعلومات إلى أن واشنطن تدرس مع شركائها في الأمم المتحدة إمكانية تطوير مهام «اليونيفيل» بما يتيح تعاوناً أكبر مع الجيش اللبناني، مع الحفاظ على الطابع غير القتالي للقوات الدولية. ويأتي هذا النقاش في ظل رغبة أميركية في تجنب أي تصعيد ميداني قد يعرقل المسار التفاوضي، وفي ظل إدراك بأن أي اتفاق لن يكون قابلاً للحياة ما لم يكن الجيش اللبناني جزءاً أساسياً من بنيته التنفيذية.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فتؤكد مصادر قريبة من الرئاستين الأولى والثالثة أن لبنان يتجه إلى واشنطن بموقف موحد يقوم على ثلاثة مبادئ: احترام القرار 1701، رفض أي مساس بالسيادة اللبنانية، والتأكيد على أن الدولة وحدها هي المرجعية في كل ما يتعلق بالملف الأمني. وتضيف المصادر أن الرئاسة اللبنانية ترى في هذه الجولة فرصة لإعادة تثبيت موقع الدولة في المعادلة الإقليمية، ولإظهار أن لبنان قادر على التفاوض من موقع قوة، مستنداً إلى وحدة مؤسساته الشرعية، وفي مقدمتها الجيش.
وتشير المصادر نفسها إلى أن رئيس الحكومة يولي أهمية خاصة لهذه الجولة، باعتبارها محطة مفصلية في مسار العلاقات اللبنانية – الأميركية، وفي تحديد مستقبل الدور الذي يمكن أن يلعبه لبنان في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. وتضيف أن الحكومة تعتبر أن نجاح الوفد اللبناني في إدارة هذه المحادثات سيعزز موقع الدولة في الداخل، وسيمنحها هامشاً أكبر في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية التي تتعرض لها.
وفي السياق نفسه، يرى مراقبون أن هذه الجولة من المحادثات تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع حسابات الأطراف المحلية. فالتوتر على الحدود الجنوبية لا يزال قابلاً للانفجار في أي لحظة، والملفات الإقليمية من غزة إلى سوريا والعراق تشكل خلفية ضاغطة على أي مسار تفاوضي. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن واشنطن تسعى إلى منع أي انزلاق قد يؤدي إلى مواجهة واسعة، عبر الدفع نحو ترتيبات أمنية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
ويعتبر هؤلاء المراقبون أن الدور الذي يلعبه الجيش اللبناني في هذه المرحلة يتجاوز البعد العسكري التقليدي، ليصبح جزءاً من معادلة سياسية – دبلوماسية تهدف إلى إعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. فالجيش، بصفته المؤسسة الأكثر ثقة لدى اللبنانيين والمجتمع الدولي، يشكل نقطة ارتكاز لأي مشروع لإعادة بناء الدولة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي. ومن هنا، فإن مشاركته في محادثات «الپنتاغون» ليست مجرد خطوة تقنية، بل هي رسالة بأن لبنان الرسمي لا يزال قادراً على الإمساك بزمام المبادرة.
ومع اقتراب موعد المحادثات، تتجه الأنظار إلى واشنطن لمعرفة ما إذا كانت هذه الجولة ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة، أو ستبقى مجرد محطة في مسار طويل من التفاوض. لكن المؤكد أن لبنان يدخل هذه الجولة بوفد موحد، وبموقف رسمي واضح، وبمؤسسة عسكرية تشكل اليوم صمام الأمان الوحيد في بلد يواجه تحديات غير مسبوقة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن دور الجيش اللبناني سيبقى محورياً، ليس فقط في المفاوضات المقبلة، بل في مستقبل لبنان ككل، باعتباره المؤسسة التي لا تزال قادرة على جمع اللبنانيين حول مشروع دولة واحدة، بقرار واحد، وسيادة لا تقبل التجزئة.













05/24/2026 - 13:06 PM





Comments