الإعلام والتغيير المرجو تحقيقه في لبنان

05/24/2026 - 12:57 PM

Atlantic home care

 

 

 رشيد ج. مينا

من دون أدنى شك، أن للإعلام دورًا كبيرًا في تبنّي مفاهيم التغيير والتعبير عن الإرادة الشعبية، إلا أن الوصول إلى هذا الدور الحقيقي لا يزال يصطدم بعقبات عديدة، أبرزها أن التراخيص الممنوحة للإعلام المرئي والمسموع جاءت في معظمها وفق واقع سلطوي تحاصصي طائفي ومذهبي، وهو ما تؤكده بوضوح سياسات ومسارات العديد من تلك المحطات والقنوات.

فقد طغت التوجهات الطائفية والمذهبية على جزء كبير من سياساتها وبرامجها، واستمرت في فتح المساحات الواسعة أمام الشخصيات والقيادات نفسها التي ارتبطت سيرتها بكل مراحل الفساد والنهب والتبعية للخارج، وبسلطات الوصاية المتوارثة بين دولة وأخرى، على حساب وحدة الوطن ومصالحه وسيادته وحق اللبنانيين بقيام دولة حقيقية.

إن التغيير ليس مجرد عنوان يتم استغلاله للإبقاء على القديم على قدمه، ولا يمكن أن يكون تحت سقف الحريات الزائفة التي يجري استخدامها أحيانًا لحماية الفساد والتبعية والخطابات التحريضية. فالحريات الحقيقية يضمنها الإعلام الوطني الحر غير المنحاز، لا الإعلام الطائفي والمذهبي، ولا الإعلام الراضخ للدعم المالي المقنّن تحت بنود الدعايات والمواد الإعلانية المدفوعة، التي توزَّع حملاتها وفق السياسات والتوجهات والمصالح.

ومن هنا، فإن التغيير الحقيقي لا بد أن يستند إلى إعلام حر فعليًا، يقوم على سياسات إعلامية وطنية واضحة، ويكون الترخيص القانوني فيه متحررًا من سياسات التسلط والمحاصصة، وتحت سقف التعبير الحر والمسؤول والوطني، سواء في القنوات المرئية أو الإذاعية أو الصحف والمطبوعات، وحتى في المواقع الإلكترونية والمنصات ووسائل التواصل الاجتماعي.

وفي مقابل هذا الواقع، يبرز دور الإعلام الرسمي بوصفه حاجة وطنية لا يمكن الاستهانة بها، شرط أن يتحرر هو أيضًا من التبعية والجمود والمحاصصة، وأن يحظى بالدعم الحكومي المالي والسياسي اللازم، ضمن رؤية وطنية واضحة تعبّر عن الوحدة الوطنية والحريات والديمقراطية وحق الناس في المعرفة.

فالإعلام الرسمي، في أدواته وإمكاناته اليوم، يبدو الأضعف والأقل تأثيرًا مقارنة بحجم التحولات الإعلامية والتكنولوجية المتسارعة، ما جعله متأخرًا إلى حد كبير عن مواكبة العصر، وأسيرًا لصورة نمطية تعود إلى تاريخ غابر، بدل أن يكون منبرًا وطنيًا جامعًا يعكس صورة الدولة وهيبتها وحضورها.

إن تطوير الإعلام الرسمي وتحريره من البيروقراطية والتجاذبات السياسية، وتزويده بالإمكانات البشرية والتقنية الحديثة، يشكل جزءًا أساسيًا من أي مشروع إصلاحي حقيقي، لأن الدولة التي تعجز عن امتلاك إعلام وطني مؤثر، تترك الساحة تلقائيًا أمام هيمنة المال السياسي والإعلام الموجّه والخطابات الطائفية والمذهبية.

كما أن أي عملية تغيير جدية تفترض الكف عن تحويل المنابر الإعلامية إلى مساحة دائمة للفاسدين، ولمن باعوا أنفسهم للشيطان السياسي والطائفي، ويواصلون تغذية الخطاب المذهبي، وتبرير التبعية والوصايات والقوى الخارجية، وإعادة إنتاج الأزمات نفسها التي دفعت لبنان إلى ما وصل إليه.

إن التغيير ليس شعارا” للزينة، ولا وسيلة  للاستغلال والاستثمار السياسي، بل هو منهج ومسار وعي يهدف إلى إقامة أوضاع أفضل، تعبّر عن إرادة الشعب وتوقه إلى الحرية، وإلى بناء دولة ومؤسسات تبسط السيادة الوطنية، وتمتلك قوى عسكرية وأمنية تحمي الحدود وتصون الاستقرار وتحفظ حق الناس في الاختيار والتغيير وبناء المستقبل كما يحددونه ويتطلعون إليه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment