لبنان الذي سبق دولته

05/24/2026 - 07:50 AM

Arab American Target

 

 

بيار مارون *

من الجبل والبحر إلى الدولة المؤجّلة

لبنان ليس سطراً وُلد في بيانٍ دولي، ولا حدوداً رُسمت بقلمٍ على خريطة. إنه فكرة سبقت الدولة، وتجربة سبقت الدستور، وذاكرة سبقت الاسم نفسه. من الجبل الذي صقل معنى الحرية والصمود، إلى البحر الذي فتح أهله على العالم، نشأت هوية مركّبة، حية، عصية على الاختزال. هوية تشكّلت من الخوف والرجاء، من الهجرة والعودة، من المجاعة والصمود، ومن إرادة بقاء لم تُهزم رغم كل ما حاول كسرها.

لبنان لم يُولد عام 1920 على طاولة مفاوضات غربية. كان حاضراً قبل ذلك في ذاكرة الناس، في بيوت الحجر، في الأيدي التي حفرت الصخر، وفي القرى التي تعلّمت الصمود بين الإمبراطوريات والبحر والجبل. بناه فلاح حفر الصخر ليزرع زيتونة، وبحّار شمّ ملح صور وصيدا، وأمّ صمدت بعد المجاعة، وشاب حمل لبنان في قلبه حيثما هاجر.

هذه الهوية لا تبدأ بالإسلام وحده ولا بالمسيحية وحدها. تبدأ أعمق: من بحر يهمس بذكريات فينيقية، وجبل يعلّم معنى الصمود. ليست أسطورة للهروب، بل واقعاً جغرافياً وتاريخياً أصيلاً.

ومن الجبل جاء الدرس الأول في الحكم الذاتي. من الثنائية المارونية-الدرزية إلى المتصرفية، تعلّم اللبنانيون — بالجمال والقسوة — أن لا طائفة تستطيع إلغاء الأخرى من دون أن تهدم البيت على رؤوس الجميع. هكذا نشأت ثقافة التوافق قبل أن تُكتب في الميثاق.

ميثاق 1943 كان تسوية ذكية في زمنها، لكنه ربط التوازن على حساب بناء الدولة الحقيقية. أما عام 1975 فقد كشف الحقيقة المرّة: الهويات الفرعية كانت أقوى من المؤسسات. وبعد اتفاق الطائف، عادت الدولة شكلاً، لكن جوهرها بقي مخطوفاً.

واليوم يجب أن نقول بكل صراحة ومحبة: مأساة لبنان ليست مؤامرة الخارج وحدها. الخارج استغل ما وجده جاهزاً في الداخل: زعامات حوّلت الطوائف إلى إقطاعيات انتخابية، مواطنون فضّلوا الحماية الطائفية على بناء الدولة، ميليشيات لم تتخلَّ عن عقلية الحرب، وسلاح خارج الشرعية، وفساد منظّم جعل الوطن غنيمة.

الطائفية لم تعد مجرد انتماء ثقافي، بل أصبحت نظام حكم كامل. الدولة في لبنان ليست ضعيفة صدفةً؛ هي مُهمَّشة بالتصميم. وكثيرون من اللبنانيين، بفعل الخوف والتجربة، باتوا يطلبون حماية الطائفة قبل حماية الدولة.

وبعد الدماء والدمار اللذين عاشهما لبنان والمنطقة في السنوات الأخيرة، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل سنستغل هذه الفرصة التاريخية — حيث يطالب العالم وكثير من اللبنانيين بدولة واحدة تحمل السلاح — لنخرج أخيراً من دائرة الوهن، أم سنعود إلى تقاسم الخراب الطائفي؟

هذا هو السؤال الحقيقي: هل نحن مستعدون لدولة تتحول فيها القوى التقليدية، على اختلاف مواقعها وأدوارها ومسؤولياتها، إلى أحزاب سياسية عادية تخضع للقانون والمؤسسات؟ هل يمكن لهذه القوى أن تصبح قوى مدنية، أم ستبقى أسياد الطوائف؟

لبنان لن يُنقَذ بالحنين ولا بالشعر الوطني الجميل. سيُنقَذ إذا قرر جيل جديد — داخل لبنان وفي المهجر — أن يدفع الثمن الحقيقي: مواجهة الزعامات التقليدية، رفض الزبائنية، إصلاح انتخابي جذري، وربط إعادة الإعمار بشروط واضحة: سلاح واحد تحت سلطة الدولة، قضاء مستقل، وإنهاء التوظيف الطائفي.

أنا لا أخاف على لبنان من أعدائه فقط.

أنا أخاف عليه من أن يعتاد أبناؤه على الحنين بدلاً من الفعل، وعلى الذاكرة بدلاً من المستقبل.

لأن هذا الوطن الذي صمد أمام المجاعات والإمبراطوريات والحروب، قد لا يصمد أمام اللامبالاة والوهم.

لدى لبنان فرصة اليوم كي يستعيد السلام والاستقرار، ويبني دولة مواطنة حضارية وفاعلة. حذارِ أن نضيّعها هذه المرة.

 

* باحث ومحلل استراتيجي

رئيس منظمة دروع لبنان الموحد (SOUL)

SOUL for Lebanon

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment