رشيد ج. مينا
أمام المشهد العام للواقع في الأمة العربية، وفي لبنان تحديدًا حيث تبدو الصورة أكثر وضوحًا وتعبيرًا، يتجلى غياب الدولة والمؤسسات على المستوى العملي، مقابل حضورها الشكلي والصوري فقط.
لبنان يكاد يكون المثال الأكثر تعبيرًا عن هذا المشهد منذ دخوله النفق قبل أكثر من خمسة عقود. فالمجتمع يتفكك تدريجيًا، فيما أصبحت المفاهيم المرتبطة بالدولة والمؤسسات مضلِّلة ومشوّهة إلى حد بعيد.
المواطن مطالب بأن يموّل الدولة وصناديقها ومؤسساتها، من دون أن يحصل فعليًا على أبسط حقوقه.
عليه أن يؤمّن بنفسه العمل،والسكن والتعليم، والاستشفاء، والكهرباء، ومياه الشرب، وحتى إصلاح الطرقات، والمجاري، وحل أزمة النفايات، والتلوث، وعليه أيضًا أن يبحث عن حلول لمشكلاته مع الآخرين، ولو على حساب حقوقه، كي لا يضيع في دهاليز القضاء وتعقيدات الإدارة وغياب العدالة. حتى الأمن الشخصي والاستقرار المعيشي باتا مسؤولية الفرد وحده.
أما العمل الجماعي، فلم يعد يتجلى إلا في التبعية للزعيم والطائفة والمذهب، عند تقاسم النفوذ أو تحقيق المكاسب والمغانم بين القوى المتسلطة. إنها الحقيقة المرة التي تدفع الجميع نحو الهاوية، وتعيد المجتمعات إلى الوراء، بما يخدم مصالح القوى الغاشمة ومشاريع الهيمنة الخارجية.
ويتجلى ذلك بوضوح في سياسات وسلوك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وفي طموحات إيران وأحلامها الإقليمية، فيما يقف العرب في موقع العاجز، رغم ما يملكونه من موقع استراتيجي وثروات هائلة.
الإنسان العربي يُدفع أكثر فأكثر نحو الفردية والانعزال، وضرب كل مفهوم للعمل الجماعي أو التشاركي، مع تكريس مفاهيم مشوّهة للدولة والسيادة والحرية والاستقلال.
هذا التضليل نراه بوضوح في لبنان وعدد من الدول العربية التي أنهكتها الحروب والانقسامات والصراعات الداخلية الدموية. فإسقاط مفهوم الدولة والمؤسسات والممارسة الديمقراطية الحقيقية يدفع المجتمعات نحو التفكك، ويعزز الولاءات الضيقة والانقسامات، حتى داخل الأطر العقائدية والفكرية والدينية والمهنية.
إنه استهداف مباشر للإنسان العربي، ولمفهوم الدولة الوطنية، ولأي مشروع تكاملي عربي قائم على المصالح المشتركة والتعاون الحقيقي.
لذلك، فإن المواجهة أصبحت ضرورة، لأنها دفاع عن الوجود والإنسان والقيم والحق. لكنها لا يمكن أن تكون مجرد رد فعل، بل يجب أن تكون نتاج فكر جديد يبني وعيًا جمعيًا يؤمن بأن الدولة الوطنية، والمؤسسات العصرية المنتجة والشفافة، ومفاهيم العروبة والحرية والديمقراطية الحقيقية، هي الأساس لأي مستقبل قابل للحياة.
اللبنانيون مدعوون اليوم إلى ثورة إيجابية تقوم على أسس الوحدة الوطنية الشعبية، وعلى امتلاك الوعي الذي يُسقط كل أشكال التبعية والاستزلام، ويتمسك بمشروع بناء الدولة الحديثة والمؤسسات الإنتاجية، وتحقيق التغيير الحقيقي في السلطة، وممارسة الديمقراطية الفعلية، لا ديمقراطية التسويات بين المتسلطين وكارتيلات المال والنفوذ والدعم الخارجي.
فالواقع الذي يعيشه لبنان اليوم، من حرب إسرائيلية مدمرة للحجر والبشر، وتحويله إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، ما كان ليصل إلى هذا الحد لولا أن قوى في الداخل ارتهنت للخارج على حساب الوطن، وجعلت شعبه وقودًا لصراعات هذا المحور أو ذاك.
إن بناء الدولة لم يعد ترفًا سياسيًا، بل بات شرطًا لبقاء الوطن نفسه.
إن أخطر ما يواجهه الإنسان العربي اليوم ليس الفقر وحده، ولا الحروب وحدها، بل تفكيك وعيه الجماعي، ودفعه نحو العزلة والخوف والتبعية وفقدان الثقة بالدولة والعمل المشترك. وحين تتحول الدولة إلى مجرد جباية بلا رعاية، ومؤسسات بلا إنتاج، وديمقراطية بلا ممارسة، يصبح الوطن ساحة مفتوحة للتدخلات والصراعات ومشاريع الهيمنة.
لا مستقبل لشعوب تُدار بالغريزة والانقسام، ولا خلاص لأوطان تُبنى على التبعية والاستزلام والمحاصصة.
وحده الوعي القادر على بناء إنسان حر، ومجتمع متماسك، ودولة عادلة منتجة، يمكن أن يعيد المعنى للوطن، ويحمي الإنسان من أن يبقى مجرد رقم في حروب الآخرين ومشاريعهم.













05/23/2026 - 15:35 PM





Comments