الخوري الدكتور نبيل مونس
نعودُ إلى السّؤالِ نفسِه، إلى التحدّي ذاتِه منذُ ألفَي عام: هل هناك قيامةٌ للأموات؟
وهل يتمكّن لبنان من الصمود والبقاء والقيامة، وهو الذي يعيشُ كلّ عقدٍ تقريبًا دورةً من النزاع، والتصفية، والدفن المبكر والجماعيّ لكلّ مقوّمات الحياة فيه؟
لكنّ السؤال الأعمق هو: كيف استطاع لبنان، هذا الشعب الصغير، أن يصمد في وجه التحديات التاريخية وصراع الحضارات، وأن يخرج من الجحيم ومن النار الآكلة لكل هشيمٍ فوق مساحته الجغرافية المستباحة منذ آلاف السنين من الأصدقاء والأعداء معًا؟
أقولها باختصار: في لبنان قوىً روحية أعمق وأقوى من كلّ الجيوش والفصائل والمنظمات التي خنقت الودعاء على أرضه.
إنّ إعلان البطريرك الياس الحويّك طوباويًّا في هذه اللحظات المفصلية من تاريخ لبنان الكبير ليس حدثًا عابرًا، بل علامة سماوية يكتبها الإصبع الإلهي نفسه أمام أعين كلّ السلطات الغاصبة، كما في سفر دانيال (5: 5). وكأنّ السماء تقول إنّ للحقّ من يدافع عنه، ولن يُهزم.
عاش البطريرك الحويّك معاناة "حروب الآخرين على أرضه" قبل تسلّمه السدّة البطريركية وبعدها.
فعاصر مراحل مصيرية من تاريخ لبنان: المتصرفية، الحرب العالمية الأولى، المجاعة، المفاوضات من أجل الاستقلال، ثم الانتداب الفرنسي. وحاول السفّاح جمال باشا نفيه والتضييق عليه، لكنه فشل أمام صلابة البطريرك وثباته.
التقاه في صوفر سنة 1915، ثم بعد إعدامات بيروت ودمشق سنة 1916، ومرّة ثالثة في بحمدون سنة 1917. وفي سنة 1918 احتجزه في قرنة شهوان تمهيدًا لنفيه مجددًا، علّه يضعف أو يضمحلّ أو يموت.
غير أنّ العناية الإلهية، ومن خلال تدخّل النمسا والفاتيكان، حالت دون سقوط البطريرك، فقام لبنان الكبير.
أكتب هذا لكلّ من يريد أن يعرف السرّ الروحي والخفيّ للصمود اللبناني، والهويّة اللبنانية، والقلب اللبناني.
قال الكتاب المقدّس في رسالة يوحنا الحبيب، رسول المحبة والحقيقة غير المنظورة إلا بعيون الإيمان والقلب: "أَنْتُمْ مِنَ اللهِ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ، لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ."
(1 يوحنا 4: 4).













05/23/2026 - 15:26 PM





Comments