رشيد ج. مينا
مع انفلاش المواقع والمنصات الإلكترونية، وكثرة عمليات التسويق والتعريف بالمدن والأماكن، استوقفني كثير مما يُنشر عن مدينة طرابلس اللبنانية؛ تلك المدينة الأجمل، والأكثر استهدافًا وإهمالًا ونكرانًا من الدولة عبر عقود طويلة.
من الجميل، بلا شك، تسليط الضوء على طرابلس، والتعريف بما تختزنه من آثار وأسواق ومرافق وقطاعات اقتصادية وخدمية، رغم أن كثيرًا منها معطّل بفعل الإهمال وسياسات التهميش والاستهداف. لكن المؤلم أن يُختصر تعريف المدينة أحيانًا بحلويات فلان، وكعكة فلان، ومنقوشة هذا، ومطعم ذاك، وكأن طرابلس مجرد مدينة طعام واستهلاك.
هذا ليس تعريفًا بطرابلس، بل اختزال وتقزيم لمدينة لها تاريخ عريق في الفكر والعلم والنضال والسياسة والاقتصاد والحِرف والصناعة والثقافة.
طرابلس، “فيحاء لبنان”، ليست مجرد واجهات استهلاكية وصور سياحية عابرة، بل مدينة أنجبت نخبة من العلماء والمفكرين والأدباء والقادة والمناضلين الذين تركوا بصماتهم في تاريخ لبنان والعالم العربي.
فمن مدارسها ومساجدها وأسواقها خرج علماء ومصلحون كبار، أمثال الشيخ حسين الجسر، أحد أبرز رواد الإصلاح والتنوير في العصر الحديث، والشيخ محمد رشيد رضا، أحد أعلام النهضة الإسلامية والفكر الإصلاحي، والشيخ نديم الجسر، مفتي طرابلس الأسبق وصاحب الفكر المستنير والخطاب البلاغي، والشيخ محمود نشابة، أحد كبار علماء الشريعة واللغة، إلى جانب أسماء علمية ودينية وفكرية كثيرة أسهمت في صناعة الوعي والثقافة في المدينة والمنطقة.
كما أنجبت طرابلس أدباء وشعراء ومفكرين تركوا أثرًا بارزًا في الحياة الثقافية العربية، من عمر تقي الدين الرافعي، شاعر الوطنية والقومية، إلى الشيخ سليم الرافعي، عميد أدباء طرابلس، وصولًا إلى الروائي والأديب رشيد الضعيف، والدكتور ماجد الدرويش وغيرهم من الأسماء التي أغنت المكتبة العربية والفكر الثقافي.
وعلى المستوى الوطني والقومي، كانت طرابلس حاضرة بقوة في مسيرة النضال العربي. منها الرئيس عبد الحميد كرامي، أحد رجالات الاستقلال اللبناني، والرئيس رشيد كرامي، رمز العروبة والوحدة الوطنية، كما أنجبت المدينة شخصيات تجاوز حضورها حدود لبنان، كالمجاهد فوزي القاوقجي، أحد أبرز القادة العسكريين العرب في مواجهة الاستعمار والصهيونية، والذي قاد معارك كبرى من سوريا إلى العراق وفلسطين، والدكتور عبد المجيد الرافعي، “حكيم طرابلس” و”طبيب الفقراء”، أحد الرموز الوطنية والعروبية البارزة، إلى جانب أسماء مناضلة كثيرة مثل عز الدين الجمل، والفتى الشهيد خليل عز الدين الجمل، والشيخ نديم الملاح، والمجاهد سليم نجا، وغيرهم ممن يصعب حصرهم في مقال واحد.
إن استهداف طرابلس لم يكن فقط عبر ضرب صناعاتها، وتعطيل مرافقها الحيوية، وإفقارها، وإقصائها عن الشراكة الفعلية في القرار الوطني، بل أيضًا عبر طمس صورتها الحقيقية، وتشويه هويتها، واختزالها بمدينة فقر وفلتان ومخدرات وبطالة.
وحين يُختصر تعريف طرابلس بالكعك والحلويات والمنقوشة، فذلك لا يسيء إلى هذه القطاعات وأصحابها، بل يسيء إلى مدينة أكبر بكثير من أن تُختزل بصورة استهلاكية عابرة.
طرابلس مدينة تاريخ وفكر ونضال وعلم وحضارة. مدينة دفعت أثمانًا كبيرة، وقدّمت للبنان والعرب أكثر بكثير مما أُعطي لها. والمشكلة ليست في التعريف بجمالها، بل في اختصار حقيقتها… وتغييب هويتها.













05/22/2026 - 11:02 AM





Comments