كارين القسيس
بعيداً عن الاصطفافات السياسيّة، يبقى المشهد الأكثر قسوةً أنّ كل ما راكمه الرئيس نبيه برّي لأبناء الجنوب على مدى عقود، من حضور إنمائي واحتضان اجتماعي ورعاية مباشرة، يتعرّض اليوم للتآكل والانهيار أمام عينيه نتيجة الخيارات العبثية والسياسات غير المحسوبة لحزب١الله التي أوصلت الجنوب ولبنان إلى ما هو عليه.
كثيرون يوجّهون إليه اتهامات بالفساد أو باستثمار مقدّرات الدولة في بناء نفوذه الشعبي، لكن، وحتى لو صحّت بعض هذه الاتهامات، فإنّ من صمت طويلاً عنها، أو استفاد من منظومة المحاصصة نفسها، يتحمّل بدوره جزءاً كبيراً من المسؤولية، لأنّ الشراكة في السكوت عن الخلل لا تقلّ خطورة عن ممارسته.
ومع ذلك، ثمّة فارق لا يمكن تجاهله بين الرئيس برّي وكثير من رؤساء الأحزاب والقوى السياسية المسيحية تحديداً، وهو علاقته المباشرة ببيئته الاجتماعية. فالرجل، بشهادة كثيرين من أبناء الجنوب، لم يتعامل يوماً مع بيئته بوصفهم مجرّد أصوات انتخابية، إنّما حافظ على تواصل دائم معهم، يتابع شؤونهم الشخصية والعامة، ويبادر إلى السؤال والاهتمام في الأزمات قبل المناسبات من تلقاء نفسه.
كما أنّ ما قدّمه للبيئة الشيعية على مستوى الحضور السياسي والخدماتي والتمثيل الداخلي يصعب إنكاره، خصوصاً في ظل غياب نماذج مشابهة لدى قوى أخرى، سواء داخل الساحة المسيحية أو حتى ضمن الطائفة السنية بعد مرحلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث تراجع الحضور الجامع والاحتضان السياسي والاجتماعي بشكل واضح في ظل نظام طائفي قائم على الزعامات والرعايات التقليدية.
قد تختلف الآراء حول برّي وتجربته السياسية، لكنّ الثابت أنّ حضوره داخل الطائفة الشيعية، وخصوصاً داخل حركة أمل، لا يمكن تعويضه بسهولة. فمرحلة ما بعد برّي لن تكون شبيهة بما قبله، لأنّ الرجل استطاع، على مدى سنوات طويلة، أن يؤسّس حالة سياسية وشعبية خاصة يصعب تكرارها بالأسلوب نفسه أو بالحجم ذاته.













05/22/2026 - 10:20 AM





Comments