طوني ابو جمرة
منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، كان للحروب اسبابها واوجهها المتعددة وأساليبها التي اتصفت في الكثير من الاحيان بالوحشية الضارية، لكن تاريخ البشرية ، رغم عصور الجهل والقسوة، لم يشهد هذا القدر الهائل من الاستخفاف بحياة الانسان وهذا الانحدار المخيف في المستوى الاخلاقي والوجداني حيث اصبح الانسان مجرّد رقم في المعايير العددية ومادة استهلاكية في الحسابات العسكرية ووقود سريع الاشتعال يستعمل لمحركات المشاريع العقائدية التضليلية الواهية .
في لبنان، وُلد حزب الله قبل العملية العسكرية الاسرائيلية في العام ١٩٨٢ . ولم ينشأ كحركة لبنانية وطنية مستقلة، بل خرج إلى العلن كتنظيم عقائدي مسلّح مرتبط ارتباطًا عضويًا بالحرس الثوري الإيراني، يحمل مشروع الثورة الإيرانية وأفكارها التوسعية المغلّفة بالشعارات الدينية والفتاوى التي دفعت المنطقة صراعات دموية غوغائية ادت الى الخراب والانقسامات العامودية في الكثير من دول الإقليم .
ومنذ بداياته، لم يتعامل الحزب مع معارضيه كخصوم سياسيين، فكان العنف وسيلة دائمة لإسكات الأصوات المخالفة، ولقد اعتمد سياسة الترهيب والإلغاء الجسدي بحق كل من وقف في وجه مشروعه، سواء بالكلمة أو بالموقف ، وفي ميدان الصراع المفتعل احتمى الحزب بشعار “ مقاومة الاحتلال ” ليمنح نفسه احتكارًا مطلقًا لفكرة التحرير، وليُضفي على سلاحه هالة من القداسة السياسية والدينية. أما كل من حاول منافسته أو الخروج عن خطّه، فقد وُضع في خانة الخيانة أو العمالة أو الضلال، في مشهدٍ اختلطت فيه الشعارات بالقوة، وخضعت فيه السياسية لسطوة السلاح.
وعلى امتداد السنوات، لم يكن المدنيون بالنسبة لهذا المشروع سوى أدوات تُستخدم عند الحاجة. فالمنازل تحوّلت إلى مواقع عسكرية ، والقرى إلى مخازن سلاح، والأحياء المأهولة إلى منصات اطلاق صواريخ وتحصينات وانفاق عسكرية ، وكل ذلك حصل من خلال مزيج من الترغيب والترهيب، حتى أصبحت حياة الناس وتفاصيل يومياتهم رهينة قرار عسكري لا يملكون حياله اي مشيئة او رأي .
في الحرب الأخيرة التي خاضها الحزب تحت عنوان “إسناد غزّة”، أعاد المشهد نفسه بصورة أكثر كارثية. حيث جرى تحويل قرى الجنوب ومدنه إلى خطوط مواجهة مفتوحة، وكأن الأرض والبشر مجرّد وقود لمعركة غير متكافئة ، وقد بُنيت تقديرات الحزب على افكار وهمية بمجملها ومنها ان إسرائيل ستتردد في قصف القرى المأهولة، وأن سقوط المدنيين سيمنح الحزب انتصارًا سياسيًا وسيلحق باسرائيل هزيمة اخلاقية أمام الرأي العام في الداخل والخارج .
لكن ما حدث كان مختلفًا وأكثر مأساوية؛ إذ مضت إسرائيل في سياسة القصف بعد توجيه إنذارات بالإخلاء، متجاوزةً الحسابات التي بُنيت على دم الناس وآلامهم. فكانت النتيجة تدمير عشرات البلدات بالكامل، وتحول قرى بأكملها إلى أطلال رمادية موحشة، وارض ملوثة وهواء مسموم ومياه مميتة وكأن الحياة غادرتها إلى غير رجعة.
أما الإنسان، فقد دفع الثمن الأكبر. مئات المدنيين سقطوا بين قتيل وجريح، وعائلات كاملة تشردت وفقدت منازلها وذكرياتها ومستقبلها. ومع ذلك، جرى التعامل مع هذه المأساة وكأنها تفصيل عابر في معركة "مقدّسة"، أو “جزء من الجهاد”، في أكثر أشكال الظلامية الفكرية تجردًا من الرحمة.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الكبير: أي قضية هذه التي لا تضع سلامة الانسان وديمومته كأولية ، وأي عقيدة، دينية كانت أم سياسية، يمكن أن تكون عادلة وهي تبني مجدها فوق جثث الأبرياء وخراب البلاد وتشرُّد العباد .
إن أي مشروع لا تكون فيه القيمة المطلقة للانسان هو مشروع يحمل في طياته البلاء الكامل ، مهما تزيَّن بالشعارات "المقدسة"أو ادّعى البطولة ، فالإنسان ليس رقمًا في مدرجاً في اللوائح الاسمية ولا وسيلة لتحقيق المكاسب، ولا حطبًا لحروب العقائد الوهمية والنزعات السلطوية المتخلفة .
وحين تفقد الأنظمة والتنظيمات قدرتها على رؤية الإنسان كقيمة عليا، تصبح أكثر ظلامية من الحروب نفسها، لأن الحرب قد تقتل الجسد، أما العقائد التي تحتقر الإنسان فتقتل معنى الحياة بأكمله.
ان الله خلق الإنسان على صورته ومثاله ليكون جوهر الوجود وهذه الحقية تمثل منطلقاً إيمانياً في كافة الاديان السماوية ، ومعاكستها تعني رفض مشيئة الله وفي هذه الحالة يكمن اقتراف اكبر الخطايا التي لا تغتفر .













05/22/2026 - 10:16 AM





Comments