عندما يتحوّل الصبر إلى سياسة عامة وعندما يصبح الوعظ بديلاً عن السياسة

05/21/2026 - 12:25 PM

Prestige Jewelry

 

 

 

معتز فخرالدين *

في لحظات الانهيار الكبرى، لا تبحث الشعوب المنهكة عن الأسئلة الفلسفية أو المعاني العميقة، بل عن مخرجٍ سريع يقيها السقوط الكامل. وحين تتراكم الأزمات، ويتراجع الأمل، يتحول الدين في الوعي الجمعي من قوة تغيير إلى ملاذ نفسي، ومن مشروع تحرّر إلى خطاب عزاء. هنا لا تكمن المشكلة في الدين ذاته، بل في الطريقة التي يُستدعى بها خارج التاريخ، ليبرّر العجز بدل أن يواجهه.

في منطقتنا التي ترزح تحت أزمات اقتصادية خانقة، وانهيارات دول، وحروب طويلة، يتكرّر خطابٌ واحد في لحظات العجز: الصبر، الرضا، والاحتمال. تتحوّل الكارثة إلى امتحان، والانهيار إلى ابتلاء، والغياب الكامل للدولة إلى قدرٍ يجب التكيّف معه لا مساءلته. وقد ظهر ذلك في بعض خطب الجمعة الرسمية في السودان خلال ذروة أزمة الخبز عام 2022، حيث قُدّم الجوع بوصفه «تزكية للنفس» لا نتيجة لسياسات نهب متعمدة. وهنا يبدأ الخلط بين الإيمان بوصفه معنى يمنح الإنسان القدرة على الصمود، والإيمان بوصفه آلية تحمّل بلا أفق، تُستخدم لإدارة الأزمات بدل مواجهتها.

ليست الذاكرة الدينية مجرّد مخزون روحي أو سردية مقدّسة؛ إنها، في جوهرها، طاقة أخلاقية وتاريخية يمكن أن تكون رافعة للتحرّر كما يمكن أن تتحول إلى عبء ثقيل. وحين تُختزل هذه الذاكرة في استعادة دائمة للمظلومية، وفي تكرار رمزي للآلام من دون مشروع تاريخي واضح، تصبح وسيلة شلل لا أداة فعل. فالذاكرة التي لا تُترجم وعياً وتنظيماً ومسؤولية، تتحول إلى بكاء طويل على الأطلال.

ومن هنا يبدأ الانزلاق الأخطر: حين يُفصل الإيمان عن الفعل، ويُختزل الصبر إلى فضيلة سلبية، وتُقدَّم الهزيمة بوصفها قدراً إلهياً لا نتيجة خيارات بشرية. ولعل التجربة التونسية بعد اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي أظهرت بوضوح كيف يمكن لدعوات «الرضا بقضاء الله» أن تُستخدم سياسياً لإطفاء احتجاجات الشارع على غياب الأفق الاقتصادي وحماية الفاسدين، بدلاً من المضي في العدالة الانتقالية. ويُستدعى الحديث الشريف: «يأتي على الناس زمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر»، لا بوصفه تحريضاً على الصمود والفعل في وجه القمع، بل كمبرّر للانسحاب من التاريخ وتعليق المسؤولية على الغيب. بينما القابض على الجمر، في معناه العميق، ليس منسحباً ولا مستكيناً، بل فاعل يعرف كلفة الموقف ويدفعها.

تاريخياً، لم يكن الدين في لحظات صعوده قوة عجز، بل قوة اقتحام للواقع وفضحٍ للظلم. فالهجرة النبوية إلى يثرب لم تكن درساً في الاحتمال، بل في إعادة تموضع القوى؛ لم تعلن الاستسلام للتعذيب بمكة، بل حوّلت الضعف إلى مشروع دولة وموازين قوى جديدة.

غير أن التحالف الطويل بين السلطة والخطاب الديني حوّل القيم الكبرى إلى أدوات ضبط اجتماعي، وقد رسّخت بعض القراءات الفقهية عبر التاريخ فتاوى تدعو إلى الصبر على الحاكم الجائر وتقييد مساءلته العلنية، ما حوّل الطاعة إلى واجب ديني والعجز إلى فضيلة. وهكذا جُعل من الصبر سياسة عامة، ومن الخضوع فضيلة، ومن الفقر امتحاناً أخلاقياً لا نتيجة نظام سياسي واقتصادي فاسد. ليس المطلوب إنكار قيمة الصبر، بل رفض تحويله إلى سياسة عامة تُدار بها المجتمعات حين تعجز السلطة عن تقديم أي أفقٍ للخلاص.

فصبر غزة، على قسوته، ظل مقترناً بالعمل والمقاومة وإنتاج البدائل؛ لم يُقدَّم من قيادته كبديل عن المواجهة بل كغطاء نفسي لها. وهذا يختلف تماماً عن الصبر الذي تروّجه سلطة منهارة لتكريس انهيارها.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح الدين أحياناً الملجأ الأخير لمن سُدّت في وجهه كل السبل، وهذا مفهوم إنسانياً. لكن الخطير هو تحويل هذا الملجأ إلى بديل عن السياسة، وعن التنظيم، وعن مساءلة السلطة. فالإيمان الذي لا يُترجم عدالة، ولا يُنتج دولة، ولا يحمي كرامة الإنسان، يبقى إيماناً معلّقاً في السماء، عاجزاً على الأرض.

هنا يبرز دور المثقف، لا بوصفه خصماً للتدين، ولا ناقداً لاهوتياً، بل بوصفه من يعيد وصل ما انقطع بين الإيمان والوعي. مهمته أن يعيد طرح السؤال المؤجَّل: أين تنتهي حدود الوعظ وتبدأ حدود المسؤولية؟ وأن يذكّر بأن الوعي ليس نقيض الإيمان بل شرطه التاريخي. فحين يتحوّل الدين إلى لغة لتبرير العجز، يصبح الصمت نوعاً من المشاركة غير المباشرة في إعادة إنتاجه. والمثقف الذي يكتفي بتوصيف الانهيار من دون مساءلة الخطابات التي تشرعنه، يساهم – ولو بصمت – في إطالة عمر الأزمة.

أخطر ما في القدرية السياسية أنها لا تُقنع الناس بالعجز فحسب، بل تُقنعهم بأن هذا العجز فضيلة.

سُئل عالم النفس والكاتب إريك هوفر: ما هو أفيون الشعوب؟

فأجاب: كل فكرٍ يعلّم الناس الصبر على الظلم بدل مقاومته، والقناعة بالفقر بدل تغييره، والرضا بالواقع البائس بدل الثورة عليه… هو أفيون الشعوب.

إن أخطر ما يُصيب الأمم ليس فقدان الإيمان، بل تحوّله إلى طاقة انتظار بدل أن يكون طاقة تغيير. فالإيمان الذي لا يغيّر الواقع يتحوّل تدريجياً إلى جزءٍ من آلياته. وبين دينٍ يُستدعى لإدارة الانهيار، ودينٍ يُستعاد لصناعة المستقبل، لا يقف الناس على مسافة واحدة… بل تتحدد هناك معركة الوعي نفسها. وهو درسٌ لا يزال ينتظر من يترجمه إلى شروطنا العربية اليوم.

* كاتب وباحث سياسي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment