بقلم: ناجي علي أمهز
إننا اليوم نقف على أطلال مرحلة لا تشبه ما قبلها بأي تفصيل؛ فما يشهده لبنان منذ آذار الماضي من زلزال عسكري واجتماعي لم يترك حجراً على حجر، فرض علينا أن نضع العواطف جانباً وننظر إلى الواقع بكل شجاعة ومرارة. الحقيقة التي يجب أن تُقال بصرخة مدوية هي أن الثنائي الشيعي لا يمكنه الاستمرار في هذا النهج، وإلا فإن الطائفة الشيعية في لبنان، ككيان سياسي واجتماعي ودور تاريخي، تسير نحو نهايتها الحتمية. إننا اليوم بحاجة ماسة إلى قادة شيعة يضربون بأيديهم على الطاولة، لا للصراخ في وجه الخصوم والاعداء، بل لقول "كفى" في وجه من يدعون أنهم إعلاميو ومحللو سياسة الطائفة، وهم في الحقيقة يشرعون أبواب الانتحار الجماعي بمراهقتهم السياسية.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد جولة قتال، بل هو "نكبة شيعية" اكبر واعظم من نكبة 1948 التي تهجر فيها ما يقارب الـ 750,000 فلسطيني من أراضيهم ومدنهم وقراهم، الجنوب يرزح تحت الاحتلال، والبطالة تجاوزت 47% (73% منهم من الشيعة). في ظل هذا الواقع والناس مشردة على الطرقات وفي العراء، حيث لم يعش النازح السوري في لبنان ما تعيشه الطائفة الشيعية في وطنها، فالنازح السوري قدمت له الاموال والحماية الاممية والطبابة والتعليم وفتحت له ابواب الهجرة وفرص العمل، بينما الشيعي ينتظر الموت دون افق للغد او معرفة اي مصير ينتظره، وان كان سيعود الى ارضه.
في زمن النكبات، يصبح الوصول إلى الشهرة و"الترند" أرخص تجارة؛ فبات يكفي لأي مختل أن يتطاول على شخصية رسمية، أو لأي سوقي أن يتهجم على بكركي والبطريرك والمسيحيين والعرب، ليصبح فجأة حديث الإعلام العالمي. ليس لأن هؤلاء قدموا فكراً، بل لأن اعداء الطائفة يجدون بهم النماذج المشوهة وأفضل مادة لتسويق صورة "الشيعي الطائفي" المستحق للعزل والموت. هذه الأبواق هي في الواقع "فرق إعدام" معنوية، تقدم المبرر لكل من يريد شطبنا من الخارطة الوطنية.
لقد وصلنا إلى مرحلة من العبث لا يمكن معها إقناع أحد بأننا لبنانيون، طالما أن هناك أصواتاً تبشر ليل نهار بالموت في سبيل "وحدة الساحات" فقط. إن هذا الخطاب تحول إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق الطائفة. الشيعة اليوم، في نظر المجتمع اللبناني والدولي، باتوا يُصنفون كأتباع مباشرين للخارج، وهذا هو "المقتل" الحقيقي لنا؛ فحتى إيران نفسها لن تستفيد من "شيعة لبنانيين" فقدوا دورهم العربي وتأثيرهم الوطني. عندما يفقد الشيعي اللبناني قدرته على محاورة محيطه بلسان وطني، فإنه يحول نفسه وحلفاءه إلى قوة معزولة. استمرار هذا النهج سيجعل من الشيعة عبئاً ثقيلاً؛ ايران قادرة على الصمود، أما شيعة لبنان، وبفعل الحصار والدمار، فلا يملكون الوقت.
الأرقام تتحدث عن كارثة وجودية في هذا العام 2026؛ أكثر من 1.2 مليون نازح، دمار 61 ألف وحدة سكنية، واحتلال إسرائيلي مباشر لمساحات واسعة جنوب الليطاني. هذه النكبة وقعت في غضون أشهر، مما يعني أن الطائفة خسرت ما بنته بالدم والعرق طوال أربعين عاماً. ومع ذلك، نجد من يمارس الشتم والاستفزاز بأسم الشيعة، بينما الحقيقة نحن بحاجة الى كلمات يسوع من على صليبه بحق من يصلبنا "ابتاه اغفر لهم".
ان يؤمن الناس بقضيتك او يكفرون بها هو حقهم الطبيعي، هذا كلام رب العالمين "عَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ".
نحن بحاجة إلى وقفة تاريخية تنهي هذا الضجيج السياسي والإعلامي الذي يضيّع بطولات المقاتلين. لا أريد إعلامياً أو مفكراً غير لبناني ليرسم لي معالم رأيي اللبناني وهو لا يفهم تركيبتي؛ أريد "الفلاح" الشيعي، ذاك المفكر العظيم الذي يعرف قيمة تراب بلاده، ويملك الفلسفة الحقيقية عندما يقول "صباح الخير" لجاره من غير طائفته بصدق المواطنة. إن استجلاب "أبواق" من خارج طائفتنا لتتحدث بلساننا هو فعل خداع بائس وتكلفته الوطنية باهظة.
فمن لن يقبلني كما انا شيعي فلن اعدل موقفه بحال تحدث عني اخر.
فالدروز رغم قلة عددهم لم يستبدلوا لغتهم بغير حرف "القاف"، كما ان المسيحيين رغم صراعهم المرير مع السوريين لم يأتوا باصوات من خارج مسيحيتهم، "انا من الذين اعتقلوا من قبل السوريين بسبب دفاعي عن الفكر الماروني، هم يحترمونني الى اقصى الحدود، لكنهم لم يقدمونني على ابنائهم او صنعوا مني نجما فضائيا، وهذا حقهم لانه وبكل بساطة هي معركتهم، وهذه سنن كونية، والدليل ما قاله الوزير باسيل في مقابلته الاخيرة، ""حزب allah فقد الإجماع اللبناني الذي كان قائمًا بعد التحرير و2006" ربما نسي الوزير باسيل ان توقيع اتفاق مار مخايل هو كان بسبب ان المقاومة لا يوجد اجماع وطني عليها، لكن وقتها كانت الاهداف السياسية للتيار تجد المبررات، اما اليوم فالاهداف تتطلب الانقلاب او الانسحاب.
هل قام الحزب بمحاسبة الذين كانوا مسؤولين عن ملف التواصل مع التيار او الاعلام الشيعي الذي جعل من الوزير باسيل مقدسا ممنوع حتى نقده، بالطبع لا.
لذلك اليوم بعض الداخل اللبناني والدولي يتعامل مع الشيعة بفلسفة "اذا شفت اعمى دبو منك اكرم من ربه".
إن المحلل السياسي الذي لا ينتبه أنه ينزع عن طائفته الهوية اللبنانية ليجعلها ملحقاً بمشروع إقليمي، يرتكب جريمة "تجريد من الجنسية" بحق أهله.
في ظل هذا الواقع، يصبح كما نقدم كل شيء في سبيل تحرير الارض، فايضا يجب علينا ان نضحي ونصمت حتى لو شتمنا او اسيء الينا من اجل بقاء الوطن والهوية والارض.
يجب احداث تغيير وفي الطائفة قيادات تاريخية، كسماحة الشيخ نعيم قاسم والرئيس نبيه بري، وهما يملكون من الشجاعة والحكمة واللين تجاه أهلهم بقدر شراستهم ضد العدو لاحداث هذا التغيير، وايقاف الشتامين، لأن الشتم والاستفزاز ينسف مبرر وجودنا الوطني. والنصر الحقيقي هو أن نقتل في أنفسنا الشعور بأننا نحتاج إلى حرب لنثبت لبنانيتنا.
أنا لا أتدخل في الصراع العسكري ولا أدعي فهمه، لكنني أطالب بتفعيل الأصوات الشيعية التي تجيد "اللغة اللبنانية"؛ فهي الدرع الوحيد الذي سيحمي أجيالنا ومكتسباتنا الوطنية. وهكذا فقط نبقى ونستمر، وينبت من كل قطرة دم شهيد فكرا لبنانيا خالدا وسيادة وحرية لا تندثر.













05/20/2026 - 11:20 AM





Comments