مدارس خارج الوطن: حين يصبح الصفّ أداة لتربية الولاء لا المواطنة

05/20/2026 - 11:04 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

مقالة تحليلية بقلم الكاتب السياسي فرنسوا الجردي

مدخل: الخطر حين يبدأ من الطفولة

ليست أخطر الحروب تلك التي تُخاض بالسلاح فقط، بل تلك التي تبدأ بهدوء داخل الصفوف الدراسية، حين يُستبدل الكتاب بالهتاف، والعلم الوطني براية حزبية أو خارجية، والنشيد اللبناني بأناشيد الولاء لمحاور لا تشبه فكرة الدولة. هنا لا نكون أمام خلاف تربوي عابر، بل أمام مسألة وجودية تمسّ معنى لبنان نفسه، ومعنى أن ينشأ الطفل مواطناً لا تابعاً، حراً لا مؤدلجاً، منتمياً إلى وطنه لا إلى مشروع سياسي يتجاوز حدوده وهويته ودستوره.

المدرسة مصنع الذاكرة الوطنية

إنّ المدرسة، في أي دولة طبيعية، ليست مجرد مكان لتعليم الحساب واللغة والعلوم. المدرسة هي المصنع الأول للذاكرة الوطنية، وهي المساحة التي يتعلّم فيها الطفل أن له وطناً، ودستوراً، وعلماً، ونشيداً، وشركاء في الوطن يختلفون عنه في الدين والرأي والانتماء، لكنهم لا يصبحون أعداءه بسبب هذا الاختلاف. لذلك، عندما تتحوّل بعض البيئات التربوية إلى ساحات تعبئة سياسية وعقائدية مغلقة، يصبح الخطر أكبر من مجرد مخالفة إدارية. يصبح الخطر مشروعاً لإنتاج أجيال تحمل بطاقة هوية لبنانية، لكنها تربّت نفسياً وثقافياً على الانتماء إلى مرجعية أخرى.

الطائفة ليست المشكلة... بل من يصادر أبناءها

المشكلة ليست في الطائفة الشيعية الكريمة، ولا في أبنائها الذين دفعوا أثماناً باهظة من الفقر والحروب والتهجير والإهمال الرسمي. المشكلة في من يريد أن يصادر هذه الطائفة، وأن يحوّل أطفالها إلى وقود دائم في صراعات لا تنتهي. المشكلة في من يريد أن يقول للطفل منذ سنواته الأولى إن البطولة لا تكون في العلم والعمل والإبداع وبناء الدولة، بل في الموت، والقتال، والطاعة، والاصطفاف خلف مشروع عابر للبنان. وهذا أخطر ظلم يمكن أن يُرتكب بحق أي طفل، لأنه يسرق منه حقه الطبيعي في أن يكبر قبل أن يُطلب منه أن يكره.

غياب العلم والنشيد: ليس تفصيلاً شكلياً

حين تغيب رموز الدولة عن المدرسة، أو تُهمَّش لمصلحة رموز سياسية أو خارجية، فنحن لا نتحدث عن تفصيل شكلي. العلم اللبناني ليس قطعة قماش، والنشيد الوطني ليس فقرة بروتوكولية في بداية الاحتفال. إنهما إعلان يومي بأن هذه المؤسسة التربوية تعمل تحت سقف الدولة اللبنانية، وتربّي أطفالاً لبنانيين على الاعتراف بوطنهم أولاً. أما حين يصبح الحضور الرمزي لدولة أجنبية أقوى من حضور الدولة اللبنانية، فالسؤال يصبح خطيراً: أي مواطن نُعدّ؟ ولأي وطن؟ وبأي ولاء؟

التأدلج لا يعلّم الرأي... بل يغلق العقل

إنّ أخطر ما في التعليم المؤدلج أنه لا يكتفي بتقديم رأي سياسي، بل يعيد تشكيل وعي الطفل قبل أن يملك القدرة على النقد والاختيار. الطفل لا يدخل المدرسة مواطناً مكتملاً وقادراً على التمييز بين العقيدة والسياسة، بين الدين والحزب، بين المقاومة كمفهوم وطني وبين التبعية كمشروع سلطوي. لذلك، عندما يتلقى الطفل خطاباً واحداً مغلقاً، يصوّر الآخر كخائن أو عميل أو عدو، فإننا لا نكون أمام تربية، بل أمام عملية عزل نفسي واجتماعي مبكر.

ذاكرات متناقضة داخل وطن واحد

وهنا تكمن الكارثة الوطنية. فلبنان لا يستطيع أن يبقى وطناً واحداً إذا كانت مدارسه تنتج ذاكرات متناقضة، وولاءات متناحرة، وأطفالاً لا يعرف بعضهم بعضاً إلا من خلال صورة العدو. المدرسة التي لا تعلّم الطفل احترام المختلف، ولا تزرع فيه فكرة الشراكة الوطنية، ولا تربطه بتاريخ لبنان ومؤسساته، إنما تدفعه تدريجياً إلى الخروج المعنوي من الوطن قبل أن يبلغ سن الرشد.

الخطر الأول على أبناء البيئة نفسها

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من التربية لا يهدد باقي اللبنانيين فقط، بل يهدد أولاً أبناء البيئة التي يُمارس داخلها. فالطفل الشيعي، مثل أي طفل لبناني، من حقه أن يحلم بأن يصبح طبيباً، مهندساً، أستاذاً، باحثاً، فناناً، ريادياً، لا أن يُحصر خياله في صورة المقاتل أو الشهيد أو التابع العقائدي. من حقه أن يرى في لبنان مستقبلاً لا مقبرة، وفي الدولة حماية لا عدواً، وفي شركائه اللبنانيين مواطنين لا خصوماً دائمين.

الطائفة الشيعية أكبر من أي احتكار سياسي

إنّ اختزال أبناء الطائفة الشيعية في مشروع أيديولوجي واحد هو إهانة لهم قبل أن يكون خطراً على غيرهم. فالطائفة الشيعية في لبنان ليست كتلة صماء، وليست ملكاً لأي حزب، ولا يجوز التعامل معها كخزان بشري لمعارك الآخرين. فيها المثقف، والوطني، والناقد، والرافض، والصامت خوفاً، والمتضرر من هيمنة السلاح والخطاب الواحد. لذلك، فإن الدفاع عن أطفال هذه الطائفة من التعليم المؤدلج ليس موقفاً ضدها، بل موقف معها، ومع حقها في التحرر من الاحتكار السياسي والعقائدي.

مسؤولية الدولة ووزارة التربية

من هنا، تصبح مسؤولية الدولة اللبنانية أساسية ولا يمكن التهرب منها. وزارة التربية لا تستطيع أن تتصرف كأن الأمر شأن خاص داخل مدارس خاصة أو جمعيات تربوية مغلقة. كل مدرسة على الأراضي اللبنانية يجب أن تخضع لمنطق الدولة، ومناهج الدولة، ورموز الدولة، وروح الدستور اللبناني. لا يجوز أن يكون هناك تعليم ينتج مواطنين خارج فكرة لبنان. ولا يجوز أن تتحوّل المدرسة إلى مساحة لتطبيع الولاء السياسي الخارجي تحت غطاء ديني أو ثقافي أو اجتماعي.

معيار وطني واحد على الجميع

المطلوب ليس قمعاً ولا استهدافاً ولا فتح معركة طائفية. المطلوب هو تطبيق معيار وطني واحد على الجميع. كل مدرسة في لبنان، أياً كان انتماء إدارتها أو بيئتها، يجب أن تلتزم بتعليم النشيد الوطني، ورفع العلم اللبناني، واحترام المناهج الرسمية، ومنع خطاب الكراهية والتحريض والتعبئة العسكرية داخل البيئة المدرسية. هذه ليست شروطاً استفزازية، بل أبسط قواعد الدولة.

السكوت مشاركة في صناعة الانقسام المقبل

أما السكوت عن هذا الواقع، فهو مشاركة غير مباشرة في صناعة الانقسام المقبل. فالأجيال التي تُربّى اليوم على الولاء لمحور خارجي، وعلى احتقار الدولة، وعلى اعتبار المختلف عدواً، لن تبقى داخل الصفوف. ستخرج غداً إلى الجامعة، والشارع، والمؤسسات، والسياسة، وربما إلى السلاح. وحينها، سيكون السؤال متأخراً جداً: من ربّى هذا الجيل؟ ومن سمح بتحويل المدرسة إلى ثكنة فكرية؟

خاتمة: نريد مدارس للحياة لا للولاء الأعمى

لبنان لا يحتاج إلى مدارس تخرّج أطفالاً يصفقون للموت، بل إلى مدارس تخرّج أجيالاً تؤمن بالحياة. لا يحتاج إلى أناشيد تزرع التبعية، بل إلى نشيد وطني يعيد إلى الطفل معنى الانتماء. لا يحتاج إلى تربية تجعل الولاء للخارج أعلى من الولاء للدولة، بل إلى تربية تقول لكل طفل: أنت لبناني أولاً، وكرامتك في وطنك، ومستقبلك في علمك، لا في موتك. إن إنقاذ التعليم من الأدلجة ليس معركة ضد طائفة، بل معركة من أجل الطائفة ومن أجل لبنان. ومن لا يرى الخطر اليوم في تحويل المدارس إلى مصانع ولاء سياسي، سيراه غداً في وطن عاجز عن جمع أبنائه حول علم واحد، ونشيد واحد، ومستقبل واحد.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment