10452 كلم²: ليسوا للمساومة...

05/20/2026 - 11:02 AM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف 

ليست العبارة مجرد زلّة لسان. حين يروّج وزير خارجية في الفاتيكان "أنه لا مانع من العودة إلى فكرة لبنان الصغير" حسب ما نقلت بعض وسائل الإعلام، فالأمر يتجاوز الدبلوماسية إلى جوهر الكيان. والاستفزاز هنا مضاعف: في المكان، وفي الزمان.

في المكان، لأن الطرح قُدِّم إلى الكرسي الرسولي الذي يستعدّ هذا الشهر لتوقيع مرسوم إعلان البطريرك الياس بطرس الحويك طوباوياً. وفي الزمان، لأن لبنان يعبر أخطر أزماته الوجودية منذ 1920. فكأنّ التاريخ يُستدعى ليشهد ضد نفسه.

"لبنان الصغير" ليس فكرة جديدة. إنه الاسم السياسي لمتصرفية جبل لبنان 1861-1918. اختبره شعبنا في جبل لبنان والنتيجة موثّقة: مجاعة 1915-1918 أودت بثلث سكانه. كان كياناً بلا مرفأ، بلا سهل، بلا عمق. مات جوعاً قبل أن يموت سياسةً. 

من هنا، كانت حجّة البطريرك الحويك سنة 1920 ثلاثية الأبعاد، وما تزال راهنة:

1.الحجّة الاقتصادية-الوجودية: لبنان بلا الساحل والبقاع وعكار كيان غير قابل للحياة. الجغرافيا شرط البقاء، لا ترف التوسع.

2. الحجّة الرسالية: "لبنان الكبير" أُسس ليكون مختبر العيش المشترك الإسلامي-المسيحي. تقليصه إلى "غيتو" طائفي يلغي رسالته ويحوّله إلى مجرد أقلية خائفة.

3. الحجّة الواقعية: كل تجربة انعزال مسيحي في الشرق انتهت بالهجرة أو الزوال. الحماية تكون بالشراكة، لا بالانكفاء.

الفاتيكان لا يطوّب رجال دولة. يطوّب رعاة. وإذا كان الكرسي الرسولي يرفع إلى المذابح "أبا لبنان الكبير" تحديداً في اللحظة التي يُعاد فيها طرح العودة إلى "لبنان الصغير"، فالرسالة تتجاوز الكنسي إلى الوطني. إنها تثبيت لشرعية الكيان الجامع الذي وُلد بجهد آبائه المؤسسين. 

بكلام آخر: لا يستطيع أحد أن يلغي بجملة أو بموقف أو برأي ما كرّسه التاريخ، وباركته الكنيسة، ودُفع ثمنه دماً. الـ10452 كلم² ليست عقاراً للتداول الدبلوماسي. هي وديعة شهداء، وعقد اجتماعي، وضمانة توازن.

مشكلة لبنان ليست في مساحته. سويسرا 41 ألف كلم²، وقطر 11 ألف كلم²، وكلتاهما دولتان ناجحتان. أزمة لبنان في سوء إدارته، لا في جغرافيته. التقسيم لا يحلّ الفساد، بل يعمّمه على دويلات أضعف وأفقر. "لبنان الصغير" لن يكون سويسرا الشرق، بل ربما صومال الشرق.

الخطر الحقيقي أن يتحوّل التعب من فشل الدولة إلى يأس من فكرة الدولة. وأن يصبح الشهيد قتيلاً مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالنسيان.

الشهداء لا يموتون سدى إلا عندما يسلّم الأحياء. وطوبى الحويك الآتية هي شهادة بأن الذاكرة ما زالت حيّة. والمهمة اليوم ليست الدفاع عن حدود، بل عن معنى. 

"لبنان الكبير" لم يكن خياراً جغرافياً للحويك. كان خياراً وجودياً لبقاء لبنان. ومن يطرح العودة إلى الوراء، فليتذكر أولاً لماذا تقدّمنا إلى الأمام.

والزعماء والوزراء والوجهاء ... يذهبون. والكيان، إن حافظنا عليه، يبقى.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment