نبيه بري… رجل الإطفاء الأخير في جمهورية تحترق

05/20/2026 - 05:53 AM

Atlantic home care

 

 

بين أنقاض الجنوب وحقول الألغام السياسية، يقف الرجل التسعيني حاملاً ما تبقّى من الدولة والسلم الأهلي

 

بقلم: الكاتب السياسي فرنسوا الجردي

في زمن الانهيارات الكبرى، تظهر الشخصيات التي تتحمّل أعباءً تفوق قدرة البشر العاديين. وفي لبنان اليوم، يبدو رئيس مجلس النواب نبيه بري وكأنه يعيش فوق بركان دائم الانفجار، محاطاً بالنيران من كل الجهات، فيما يحاول بيديه العاريتين منع البلاد من السقوط الكامل في الجحيم.

قد يختلف اللبنانيون على الرجل، على خياراته السياسية، على تحالفاته، وعلى مسيرته الطويلة في السلطة، لكن ما لا يمكن إنكاره أن بري اليوم يحمل فوق كتفيه جبالاً من الهموم الوطنية والطائفية والإنسانية، في مرحلة ربما تكون الأخطر منذ انتهاء الحرب الأهلية.

فالرجل ابن البيئة الجنوبية والشيعية التي دفعت أثمان الحرب الأخيرة دماً وتهجيراً ودماراً. قرى سُوّيت بالأرض، عائلات نامت في الطرقات والخيم، ناس فقدوا بيوتهم وأرزاقهم وأمانهم، وأجيال كاملة تعيش اليوم تحت صدمة الخراب والانهيار. هذا الواقع ليس بالنسبة لبري مجرد ملف سياسي أو ورقة تفاوض، بل جرح شخصي يومي يلامسه في بيئته وقاعدته الشعبية وناس حركته.

وفي قلب هذه المأساة، يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يحافظ على علاقة “الثنائي الشيعي” مع حزب الله من دون أن ينجرّ إلى خيارات قد تدفع لبنان نحو انتحار جماعي؟ وكيف يعبّر عن التمايز السياسي والواقعي لحركة أمل من دون أن يفتح الباب أمام فتنة شيعية – شيعية يعرف الجميع أن نتائجها ستكون كارثية على الطائفة ولبنان معاً؟

هذه ليست مهمة سياسية عادية، بل عملية توازن دقيقة فوق حبل مشدود فوق الهاوية.

يدرك بري، بحكم تجربته الطويلة، أن أي انفجار داخلي اليوم لن يبقي وطناً ولا طائفة ولا مؤسسات. ولذلك يبدو الرجل وكأنه اختار لعب دور “ضابط الإيقاع” الوطني، لا الزعيم المتهور ولا القائد الشعبوي. فهو يعرف أن الخطاب الناري قد يرفع التصفيق للحظات، لكنه قد يدفن البلد لعقود.

ومن هنا، يصبح دوره أكثر حساسية في علاقته مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في ظل مفاوضات شديدة التعقيد مع إسرائيل والولايات المتحدة، وسط ضغوط دولية هائلة، وانقسامات داخلية قاتلة، وتوازنات طائفية قابلة للاشتعال في أي لحظة.

وبينما يهرب كثيرون إلى المزايدات الإعلامية والشعارات، يبدو بري غارقاً في إدارة الألغام اليومية: من ملف إعادة الإعمار، إلى ملف النازحين والمشرّدين، إلى حماية بيئته من الانهيار الاجتماعي، وصولاً إلى ملف قانون العفو العام الذي فجّر الغرائز الطائفية والمذهبية بين مختلف القوى اللبنانية، خصوصاً في ما يتعلق بالموقوفين الإسلاميين والسجناء السنّة.

في هذا الملف تحديداً، يعرف بري أن أي خطأ في الحسابات قد يعيد فتح جروح الحرب الأهلية، ولذلك يتعامل مع القضية بحذر شديد، محاولاً إيجاد توازن بين العدالة والاستقرار ومنع انفجار الشارع.

قد يكون أكثر ما يميّز الرجل اليوم أنه يتصرّف بعقلية رجل دولة يعرف أن لبنان لم يعد يحتمل المغامرات. فبين الانهيار الاقتصادي، والخطر الأمني، والانقسام الطائفي، والضغط الخارجي، أصبح الحفاظ على الحد الأدنى من السلم الأهلي إنجازاً بحد ذاته.

وفي الحقيقة، مهما اشتدت التباينات حوله، لا يمكن إنكار أن بري لا يزال يشكّل حتى اللحظة أحد آخر صمامات الأمان في النظام اللبناني. فهو بحكم موقعه كرئيس لمجلس النواب، وبحكم سيطرته على الشارع الشيعي التقليدي عبر حركة أمل، وبحكم علاقاته الداخلية والخارجية، يلعب دور “الضامن” الذي يمنع انفجار التناقضات دفعة واحدة.

وربما المفارقة الكبرى أن الرجل الذي تجاوز التسعين، يبدو اليوم أكثر تحملاً للمسؤولية من كثيرين يصغرونه بعشرات السنوات. ففي وقت يختبئ فيه البعض خلف الخطابات أو الحسابات الضيقة، يتحمل بري يومياً عبء وطن مهدد بالتفكك، وبيئة موجوعة ومشرّدة، وبلد يقف على حافة الحرب والفوضى.

قد لا يكون مثالياً، وقد لا يكون منزهاً عن الأخطاء، لكن الإنصاف يفرض الاعتراف بأن نبيه بري في هذه المرحلة لا يدير مجرد مؤسسة دستورية، بل يحاول منع سقوط لبنان الكامل في النار.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment