قيادة جيش بعقيدة الأمس لا مكان لها في لبنان الغد

05/20/2026 - 05:37 AM

Prestige Jewelry

 

 

شبل الزغبي

خمسة قادة جيش، خمسة مسارات نحو التبعية. حان وقت القطع مع المنظومة العقائدية التي أدارت لبنان لصالح دمشق وطهران لا لصالح بيروت.

أربعة رؤساء جمهورية أتوا من قيادة الجيش. أربعة رجال تسلّموا أعلى منصب في الدولة وهم يحملون في داخلهم عقيدة تشبعت بها مؤسستهم على مدى عقود: عقيدة التوازن مع سوريا، والتكيّف مع حزب الله، والصمت الاستراتيجي أمام الهيمنة الإيرانية. والنتيجة؟ لبنان الذي نراه اليوم مُفلس، مُحاصَر، مرهون لمشيئة الولي الفقيه.

قائد الجيش الحالي ليس استثناءً من هذا النهج، بل هو امتداد طبيعي له. مسيرته المهنية نشأت وترعرعت في المرحلة التي كانت فيها سوريا مسيطرة على القرار اللبناني، وفي الحقبة التي أصبح فيها حزب الله الدولةَ فوق الدولة. من يتشكّل في بيئة ما، لا يستطيع أن يكون أداة تغييرها. هذه ليست إهانةً شخصية، هذه حقيقة بنيوية.

حين تحدّث ميشال عون يوماً عن ضرورة “تفاهم” مع حزب الله، كان يعتقد أنه يمسك العصا من الوسط. فإذا به يُسلّم لبنان للمنظومة التي أرادت إدارته من بعيد. هذا ما تفعله عقائد التسوية مع المحور: تبدأ بالواقعية، وتنتهي بالاستسلام.

“المؤسسة العسكرية ليست فوق السياسة، هي في صميمها، وقيادتها انعكاس لعقائد تُعيق بناء الدولة السيادية.”

سألوا: هل يمكن للجيش أن يكون محايداً؟ والجواب الصادق: لا، حين يكون قائده مُنتَجاً من رحم بيئة عقائدية بعينها. الحياد لا يعني الغياب، يعني الانتماء إلى الدولة وحدها، لا إلى محاور تتجاوزها. وهذا الانتماء الخالص لم نرَه.

غير أن الإنصاف يقتضي ملاحظة جوهرية: قائد الجيش ليس المرجعية الأخيرة في سلّم القيادة. فالدستور يجعل رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكلمته هي الفصل. وهذا يعني أن قائداً عسكرياً كان يمكن أن يتصرف لو أُعطي الأمر؟ وهنا تتّسع دائرة المسؤولية لتطال رأس الهرم أيضاً. فإذا كان قادة الجيش سهّلوا ما لا يجب تسهيله، فإن الرؤساء الذين لم يأمروا بالتصدّي لهذا المد كانوا شركاء بالصمت، وربما أكثر من الصمت. المؤسسة العسكرية تعكس عقيدة قياداتها السياسية قبل أن تعكس عقيدة ضباطها.

عشرات الأعوام من الاحتلال السوري، وعقدان من الهيمنة الإيرانية عبر حزب الله، وطوال هذا الزمن لم يكن قادة الجيش يقفون في وجه هذا المدّ، بل كانوا يُسهّلون استمراره باسم “الاستقرار”. واليوم، حين يُصنَع لبنان الغد، بعد أن كُسِر المشروع الإيراني في المنطقة، لا يجوز أن تظل المؤسسة الأمنية الأولى بيد من تشرّبوا الأمس.

لنكن دقيقين: هذا ليس هجوماً على المؤسسة العسكرية ولا على ضباطها وجنودها الشرفاء. الجيش اللبناني يضم أبطالاً دفعوا الثمن غالياً من دمائهم على مذبح الوطن. المطلوب تحديداً هو تغيير ما في القيادة، ليس كعقاب، بل كضرورة استراتيجية. لأن لبنان الذي يريد استعادة سيادته يحتاج قائدًا وقيادة تشرّبت فكرة الدولة، لا فكرة المحاور.

التغيير في القيادة العسكرية ليس نزوةً سياسية، هو شرط أساسي لأي إصلاح حقيقي. لا يمكن بناء جيش سيادي بعقول اختبرت العالم من خلال منظار طهران ودمشق، ولو كان أصحابها من ذوي حسن النية.

هل لبنان اليوم أفضل مما كان؟ الإجابة لا تحتاج خطاباً. الانهيار الاقتصادي، الفراغات الدستورية المتكررة، العجز عن ضبط السلاح خارج الدولة، خسارة الثقة الدولية، كل هذا نتاج منظومة حكم أتقنت فن الاستسلام وسمّته “حكمة”.

لبنان الجديد يحتاج قائداً للجيش يؤمن بالدولة أولاً وأخيراً. الشرف الحقيقي للمؤسسة العسكرية يبدأ بقيادة تستطيع أن تقول: نحن للبنان وحده. ومن لا يستطيع قول ذلك بصدق وبفعل، عليه أن يُفسح المجال.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment