مفيد خطّار

الطَّبيعَةُ تَتَجَدَّدُ دَوْمًا، وَكَذٰلِكَ الإِنْسانُ وَالأَوْطانُ؛ فَالحَياةُ لا تَعْرِفُ الثَّباتَ.

ذَاتَ يَوْمٍ، سَأَلْتُ جَدَّتِي عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الغِرْبالِ وَالمِنْخَلِ. ابْتَسَمَتْ، وَقالَتْ بِلُغَتِها البَسِيطَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الحِكْمَةَ:

«الغِرْبالُ عُيُونُهُ وَاسِعَةٌ، يَحْجُبُ الكَبِيرَ وَيَدَعُ الصَّغِيرَ يَمُرّ. أَمّا المِنْخَلُ، فَعُيُونُهُ ضَيِّقَةٌ، لا يَعْبُرُ مِنْها إِلّا الشَّيْءُ النَّقِيُّ.»

ثُمَّ صَمَتَتْ قَلِيلًا، كَأَنَّها تُفَتِّشُ فِي ذاكِرَةِ العُمْرِ عَنْ كَلِماتٍ تَعْرِفُ ثِقَلَها، وَقالَتْ:

«لُبْنانُ لا يَحْتاجُ إِلَى غِرْبال… بَلْ إِلَى مِنْخَلٍ.

مِنْخَلٍ لا يَعْبُرُ مِنْ عُيُونِهِ إِلّا أَصْحابُ الأَكُفِّ البَيْضاءِ، أَمّا مَنْ أَساءَ إِلَى الوَطَنِ فَيَبْقَى عالِقًا.

فَبَعْضُ الأَشْياءِ قَدْ تَخْتَبِئُ طَوِيلًا، لٰكِنَّها لا تَبْقَى مُخْتَبِئَةً إِلَى الأَبَد، وَما يَمْكُثُ طَوِيلًا فِي العَتْمَةِ لا بُدَّ أَنْ يَلْتَقِي الضَّوْءَ يَوْمًا.

وَلَعَلَّ لُبْنانَ، بَعْدَ كُلِّ هٰذا الإِنْهاكِ، يَقِفُ أَمامَ لَحْظَةٍ تُعِيدُ لِلْمِيزانِ مَعْناهُ؛ فَلا يَبْقَى صَوْتُ المَظْلُومِ مَحْجُوبًا، وَلا يَبْقَى الظُّلْمُ مُطْمَئِنًّا إِلَى العَتْمَةِ.

فَالأَوْطانُ، مِثْلُ الحُقُولِ، لا تُعْطِي قَمْحًا نَقِيًّا إِلّا بَعْدَ تَنْقِيَةٍ تَكْشِفُ ما اخْتَلَطَ فِي تُرابِها.

وَرُبَّما كانَ أَصْعَبُ ما يَحْتاجُهُ لُبْنانُ اليَوْم… لَيْسَ غِرْبالًا جَدِيدًا، بَلْ مِنْخَلًا حَقِيقِيًّا.»