رشيد ج. مينا
ليس سؤالًا عابرًا يُطرح في لحظة قلق، بل هاجسًا يفرضه الواقع المعاش، وما تختزنه الذاكرة الإنسانية من معاناة وحروب وصراعات وتحولات كبرى. وهو سؤال لا يتعلق بالمستقبل وحده، بل بالحاضر أيضًا؛ بحقيقة ما يجري، وكيف يمكن فهمه واستيعابه ومواجهته بعيدًا عن السطحية والانفعال والاستسلام للروايات الجاهزة.
فالإنسان حين يُثقل بالخوف والألم والهزائم، قد تتحول ذاكرته نفسها إلى قيد يمنعه من التشخيص الحقيقي للواقع، ومن إنتاج فكر منفتح على الآفاق وقادر على المواجهة والبناء.
ومن هنا تبدو المشكلة أعمق من مجرد صراعات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، لأن الإنسان نفسه أصبح المستهدف الأول قبل الجغرافيا والمناخ والحدود. فالتطور الذي كان يفترض أن يُسخّر لخدمة الإنسان وكرامته وحريته، يجري توظيفه في كثير من الأحيان في الاتجاه المعاكس، عبر بناء أشكال جديدة من الهيمنة والاستعباد والسيطرة، مستخدمة أدوات التكنولوجيا والإعلام والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والتلاعب بالوعي والعقول.
إنها أخطر مراحل الصراع التي عرفتها البشرية، لأن السيطرة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي والهوية والقدرة على التفكير الحرّ.
ومن هذا المنطلق يصبح السؤال طبيعيًا: العرب إلى أين؟ ولبنان إلى أين؟
فما يجري في منطقتنا لا يقتصر على أطماع جغرافية أو صراع على الموارد والثروات فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى استهداف الهوية والوجود والمصير والحاضر والمستقبل. إنه صراع يطال الثقافة والانتماء والقرار والسيادة، كما يطال الثروات الكامنة في الأرض وما فوقها، ويستهدف الإنسان العربي نفسه، وحقه في بناء مستقبله بحرية واستقلال.
ومن هذا المنظار، يصبح من الضروري قراءة ما جرى في المنطقة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي يمكن القول إنها لم تنتهِ فعليًا، بل تبدلت أدواتها وتحالفاتها ومحاورها وأساليب إدارتها.
فالشرق الأوسط بقي ساحة مفتوحة للصراع الدولي والإقليمي، وتقاطعت فوق أرضه مشاريع النفوذ والسيطرة وإعادة رسم الخرائط والتوازنات. وما جرى في إيران مع سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية على أساس ولاية الفقيه ومبدأ “تصدير الثورة”، وما تلاه من تحولات كبرى في المنطقة، وصولًا إلى تدمير العراق واستنزاف قدراته، ثم بناء الأذرع والنفوذ الممتد من طهران إلى جنوب لبنان واليمن، كل ذلك أسّس لواقع جديد غيّر موازين المنطقة وأعاد تشكيلها.
وفي خضم هذا الصراع، تحقق عبر الحروب والانقسامات والفوضى ما لم يكن ممكنًا تحقيقه مباشرة، فكانت النتيجة تمدد النفوذ الأمريكي والصهيوني بصورة غير مسبوقة، وسط عالم عربي يعيش الانقسام والتفكك والارتهان والصراع الداخلي.
أما لبنان، فكان في قلب هذا المشهد، وتحول تدريجيًا من مشروع وطن يُفترض أن يكون مساحة حرية وتنوع ودولة، إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات والصراعات الإقليمية والدولية.
فمنذ حرب السنتين 1975 ـ 1976، جرت محاولات عديدة لإنهاء الحرب وبناء الدولة واستعادة السيادة والقرار الوطني، وصولًا إلى اتفاق الطائف الذي أُريد له أن يكون مدخلًا لإنهاء الصراع وتطوير النظام وبناء المؤسسات. إلا أن تلك المحاولات بقيت ناقصة أو جرى تعطيلها وإجهاضها، مع استمرار التدخلات الخارجية والصراعات على أرض لبنان، تحت عناوين وشعارات متعددة، من بينها القضية الفلسطينية واستغلال حق الشعب الفلسطيني ومعاناته في سياقات إقليمية ودولية متشابكة.
وفي ظل ذلك، تعمقت الطائفية والمذهبية، وتكرّس الاستثمار السياسي فيهما، وبقي لبنان عاجزًا عن استعادة قراره الوطني الكامل وبسط سيادة الدولة وبناء مؤسسات حقيقية قادرة على حماية الوطن والمواطن.
وما نشهده اليوم من ضغوط غير مسبوقة، ودمار ونزوح وانهيار اقتصادي وتفكك اجتماعي، ليس إلا نتيجة لمسار طويل من تحويل لبنان إلى ساحة بدل أن يكون وطنًا سيدًا حرًا مستقلًا.
لكن، رغم كل هذا المشهد القاتم، تبقى الحقيقة الأهم أن الشعوب لا تُهزم بالكامل ما دامت قادرة على الوعي وإعادة إنتاج الفكر وبناء مشروع جامع.
إن المعركة اليوم ليست فقط معركة حدود أو سلاح أو نفوذ، بل معركة وعي وهوية ومصير. ولذلك فإن المدخل الحقيقي للخروج من هذا الواقع يبدأ من بناء الإنسان الحرّ، القادر على التفكير خارج الاصطفافات العمياء، وعلى قراءة التاريخ بعقل نقدي لا بعقل أسير للروايات الجاهزة والانقسامات الموروثة.
وفي لبنان تحديدًا، تبقى الوحدة الوطنية الشعبية، وبناء الدولة القادرة والعادلة، واستعادة القرار الوطني، ورفض تحويل الوطن إلى ساحة دائمة للصراعات، هي الأساس لأي نهوض حقيقي.
كما أن وعي العرب لما يجري حولهم، وإدراكهم لحجم التحديات التي تستهدف حاضرهم ومستقبلهم وهويتهم، يبقى الشرط الأول لبناء مرحلة جديدة، يكون فيها الإنسان العربي شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد ضحية لصراعات الآخرين ومشاريعهم.
فالأوطان لا تُبنى بالخوف والاستتباع والانقسام، بل بالوعي والحرية والعدالة والقدرة على إنتاج مشروع حضاري وإنساني يحفظ كرامة الإنسان وحقه في الحياة والسيادة والمستقبل.
وفي هذا السياق، لا تبدو جولات المفاوضات الجارية بين الوفود اللبنانية والإسرائيلية برعاية أمريكية، قادرة وحدها على الوصول إلى خواتيم مستقرة وعادلة، انطلاقًا فقط من العودة إلى اتفاقية الهدنة أو القرار 1701، خصوصًا في ظل غياب موقف عربي موحّد، ومظلّة عربية فاعلة وقادرة على حماية المصالح العربية ودعم لبنان في مواجهة الضغوط والتحديات المتصاعدة.
فإسرائيل، وفق مواقفها المعلنة ومسار سياساتها وتحركاتها، تبدو ذاهبة نحو أهداف تتجاوز حدود الأمن التقليدي أو الترتيبات المرحلية، مستفيدة من حجم الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والاستراتيجي غير المسبوق، ومن واقع عربي يعاني الانقسام والتفكك وتراجع القدرة على التأثير.
ومن هنا، فإن مستقبل لبنان، كما مستقبل المنطقة، لا يمكن أن يُبنى على موازين القوة وحدها، ولا على منطق الساحات المفتوحة للصراعات، بل على وعي عربي أعمق بحجم التحولات الجارية، وعلى بناء مشروع وطني وقومي قادر على حماية الإنسان والدولة والسيادة والهوية، بعيدًا عن الاستتباع والانقسام وارتهان المصير للخارج.













05/19/2026 - 11:55 AM





Comments