بغداد - مسار عبد المحسن راضي
أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية في 14 مايو الجاري، أمراً بإيقاف برنامج "الحق يقال" لمدة 45 يوماً. واستندت الهيئة على الأمر التشريعي رقم 65 لسنة 2004، وذلك على خلفية رصدها لمخالفات تتعلَّق بـ "النزاهة، الذوق العام، الآداب العامَّة" وغيرها من المفردات التي تخضع لسُلطتها التقديرية بشكلٍ شبه حصري.
ممول ومالك قناة UTV هو السياسي ورجل الأعمال العراقي خميس الخنجر. وتمتلك UTV مكاتباً لها في بغداد وأربيل، وأيضاً في تركيا. واللافت في قرار الهيأة، بأنها لم تأتِ على ذكر اسم الإعلامي العراقي عدنان الطائي.
الحق يُقال بأنَّ البرنامج الذي تمَّ إيقافه مؤقتاً والطائي، هما مترادفان في الوعي الجمعي العراقي، بسبب الجدليَّة والجرأة التي يستخدمها الطائي في صياغة أسئلته.
الهيئة والطائي
بدءً من 13 مارس 2026، بدأت هيئة الإعلام والاتصالات، بإصدار أوامر الإيقاف ومنع الظهور المؤقتين للطائي.
قرارها في 14 مايو 2026 كان الأقسى من ناحية فترة الإيقاف المؤقت. عقوبة 13 مارس التي سبقتها كانت لعشرين يوماً فقط.
بليغ أبو كلل رئيس الجهاز التنفيذي للهيأة، والذي استلم منصبه رسمياً في 11 يناير 2026، اكتفى بالجواب التالي "حيثيات حرمان المقدم عدنان مذكورة في البيان".
جاء ذلك ردَّاً على الأسئلة التي وجِّهت إليه، عن سبب تركيز عقوبات الهيأة على الطائي، أكثر من غيره. وإن كانت تلك العقوبات لها علاقة بتوصيل رسائل سياسية.
الجدير بالإشارة هنا، إنَّ الرئيس التنفيذي للهيئة، هو شخصية بارزة في حزبٍ سياسي "تيار الحكمة"، والذي يقوده رجل الدين عمار الحكيم.
تيار الحكمة هو الآن في تحالفٍ مع قيس الخزعلي زعيم مليشيا عصائب أهل الحق، ومع محمد شياع السوداني رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية.
هذا الثُلاثي يمثِّلُ أحد أجنحة الإطار التنسيقي، والتي تتنافس حالياً مع جناحٍ آخر يرأسه نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون، والمدعوم بشدَّة من رئيس ميليشيا منظمة بدر هادي العامري، وغيرهم من الميليشيات الموالية لإيران.
قناة UTV بدورها، يشرف عليها سرمد الخنجر، أحد ابناء خميس الخنجر.
الخنجر الأبن استلم رئاسة تحالف السيادة خلفاً لوالده منذ نوفمبر 2025، وهو يتمتع بعلاقات ممتازة مع رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي، بحسب الأخير الذي ذكر ذلك مرّات عدَّة.
لماذا الطائي؟
الأكاديمي غسان العطية، استهل حديثه بما حصل مع الطائي بالقول "ما تعرض له الأخ عدنان نموذج للقمع الإعلامي". وقبل المُضي بذكر المزيد من رأي العطية، أشير إلى إنه كان رئيس تجمع الإرادة الوطنية، وشارك في انتخابات الدورة البرلمانية الثالثة عام 2014، لكنه اضطر إلى "مغادرة العراق بعد تهديده من قبل السلطات الرسمية"، والتي خيَّرته خيارين "مغادرة العراق أو الاعتقال" بأوامر من نوري المالكي، بحسب ما نشرته "العربية. نت" في 25 ديسمبر 2013.
المهم، إنَّ العطية وجد إن هناك ثلاثة سيناريوهات أمام الإعلامي العراقي ومنهم الطائي"ذكر أحد الإعلاميين، إن أردت انتقاد بغداد فعليك أن تكون في أربيل، وإذا أردت انتقاد اربيل فعليك الحديث من بغداد. أمّا إذا أردت انتقاد الكل فعليك مغادرة العراق".
الطائي بالطبع اختار مغادرة العراق. واختار كذلك الزهد بأسلوب مدرسة البي بي سي، كما عبَّر عن ذلك مرَّة في برنامجه على قناة UTV، واختار أسلوباً يجمع بين برامج Talk shows والسوشيال ميديا، مستقطباً جمهوراً واسعاً في الداخل العراقي.
كرم نعمة وهو كاتب وصحُفي عراقي مقيم في الخارج، بدأ بقراءة لائحة اتهامٍ للإعلام العراقي "كل شيء مزيف، حتى النشرات، تُقرأ كأنها بيانات نعي مكتوبة بلغة السلطة. هذا ليس توصيفا أدبيًا مع استمرار الفضائح الشنيعة التي تهز الإعلام الحكومي والحزبي والميليشياوي في العراق، بل واقع يومي يعيشه الإعلام العراقي".
يستمر نعمة بعدها في تفصيل اللائحة "الصحافة في عراق السلطة المزيفة، تُشترى، وما يُنشر ليس حقيقة، بل ما تريده سلطة الميليشيات والأحزاب والمرجعيات الطائفية ورجال المال ولصوص الدولة، أن يُقال".
المصير الذي ينتظر عدنان الطائي وغيره من الإعلاميين الذين لا يستطيعون تمسيح الجوخ، أو تبديل المواقف كنشرات ضوئية "يُمارس الإرهاب الناعم عليهم، عبر لقمة العيش أو عبر رصاصة طائشة".
اختِمُ مع ما نقلهُ نعمة عن الصحُفي والكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس "ما يخيف السلطة ليس الرأي المخالف، بل الصحافي المستقل".
ألفت نظر القارئ إلى أن هذا الإيقاف المؤقت للطائي وبرنامجه، جاء في وقتٍ يشهد فيه الإطار التنسيقي حراكاً سياسياً، بسبب الاشتراطات الأمريكية فيما يخص ملف الميليشيات الموالية لطهران، وخروج حقائق "لجنة الإطار السرية" لمعالجة هذا الملف مع الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب ما نشرته صحيفة الشرق الأوسط بطبعتها الإنجليزية في 8 مايو 2026.
استبعاد الطائي هو أيضاً رسالة لعائلة الخنجر في أن تُحدِّد موقفها السياسي.. إمّا مع جناح السوداني، الخزعلي، والحكيم، وإمّا مع نوري المالكي وفريقه.
أجنحة الإطار التنسيقي والتي تعيش مرحلة "الانشطار الطولي"، على حدِّ تعبير الناطقين باسم تلك الأجنحة، بيَّنت بأنَّ هدف هذا الانشطار هو الإقلاع من مطار "الهويات الفرعية" إلى سماء الهوية الوطنية.
هيأة الإعلام والاتصالات، لم تستطع بسبب طاقتها المفرِطة مع عدنان الطائي، أن تجد وقتاً لرصد وتحذير أحد أعضاء حزب تقدم الذي وصف مثنى السامرائي - تحالف العزم - وفريقه السياسي بأنهم "صبية ابو رغال"، بسبب الصراع بينهما على وزارة التربية.
الجدير ذكره أن أبو رغال كان دليل ابرهة الحبشي لهدم الكعبة المُشرَّفة. وقد نُشرت التغريدة على منصة X بتاريخ 13 مايو 2026، الساعة 9:54 مساءً.










05/19/2026 - 11:39 AM





Comments