هل تقترب كوبا من حافة المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة؟

05/19/2026 - 10:05 AM

Bt adv

 

 

جمال دملج *

لم يكن وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكوبا بـ "الدولة الفاشلة" مجرّد تعليق عابر في سياق المناكفات السياسية المعتادة بين واشنطن وهافانا. فالكلمات التي أطلقها قبل أيام، ملوّحًا بإمكانية اقتراب حاملة طائرات أميركية من السواحل الكوبية "حتى الاستسلام"، بدت أقرب إلى استعادةٍ رمزية لأكثر مراحل الحرب الباردة توتّرًا، حين تحوّلت الجزيرة الصغيرة الواقعة على بُعد تسعين ميلًا فقط من ولاية فلوريدا إلى أخطر بؤرة اشتباك نووي في العالم خلال أزمة الصواريخ السوفييتية عام 1962.

صحيح أنّ التقارير الأميركية المتداولة حتى الآن لا تتحدّث عن قرار وشيك بغزو كوبا، كما أنّ الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دي سيلفا نقل الأسبوع الفائت عن ترامب نفيه وجود خطط من هذا النوع، إلا أنّ مجرّد عودة الحديث الأميركي عن "الخيار العسكري" ضد الجزيرة يشي بأنّ كوبا دخلت مجددًا دائرة الضغوط القصوى في الاستراتيجية الأميركية الخاصة بنصف الكرة الغربي.

شهادات من التاريخ

لعلّ المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى هافانا تتمثل في أنّها تواجه اليوم أسوأ ظروفها الاقتصادية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، في وقت تبدو فيه الإدارة الأميركية مقتنعة بأنّ النظام الكوبي يعيش لحظة إنهاك تاريخية قد تسمح بفرض وقائع جديدة عليه، أو على الأقل بدفعه إلى تقديم تنازلات جذرية. لكنّ التاريخ الكوبي نفسه يقول إنّ هذه الجزيرة لطالما امتلكت قدرة استثنائية على البقاء، حتى عندما كانت تبدو على وشك السقوط.

وبالعودة إلى الأيام الأولى لانتصار الثورة الكوبية عام 1959، نجد أنّ واشنطن أدركت، منذ البداية، أنّ إسقاط النظام الجديد لن يكون مهمة سهلة. ففي السادس من أبريل/نيسان عام 1960، كتب نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون أميركا اللاتينية، ليستر مالوري، مذكرة شهيرة أوصى فيها باستخدام "كل الوسائل الممكنة لإضعاف الحياة الاقتصادية في كوبا". ومنذ ذلك الوقت، تحوّل الحصار الاقتصادي إلى العمود الفقري للسياسة الأميركية تجاه الجزيرة.

غير أنّ المفارقة الكبرى تمثّلت في أنّ الحصار نفسه ساهم، بصورةٍ غير مباشرة، في ترسيخ سردية "الجزيرة المحاصرة" داخل الوعي القومي الكوبي، مانحًا السلطة هناك قدرة دائمة على تبرير أزماتها الداخلية وربطها بالعداء الأميركي التاريخي.

موازين القوة بين الفكر والسلاح

لقد كان فيدل كاسترو يدرك باكرًا أنّ ميزان القوى العسكري لا يميل لمصلحة بلاده إطلاقًا. ولذلك، فضّل دائمًا إدارة الصراع مع واشنطن على قاعدة الاستنزاف السياسي والنفسي لا على قاعدة المواجهة المباشرة. وحتى عندما انتهت مدة الاتفاق المتعلّق باستخدام الولايات المتحدة لقاعدة غوانتانامو عام 2000، لم يبادر كاسترو إلى الذهاب نحو صدام عسكري مفتوح مع الأميركيين، بل اكتفى بإطلاق عبارته الشهيرة: "إنّ الفكر أقوى من السلاح".

ومع ذلك، بقيت كوبا لعقود طويلة شوكة رمزية في الخاصرة الأميركية، ليس بسبب قوتها العسكرية، بل بسبب قدرتها على البقاء السياسي رغم الحصار والعزلة والانهيار الاقتصادي.

صناعة السياحة ومخازن الزمن

اليوم، تبدو الصورة في كوبا مختلفة إلى حدّ بعيد. فبعد رحيل الجيل التاريخي للثورة، لم تعد الجزيرة تمتلك ذلك الزخم الأيديولوجي الذي كان يحيط بشخصيات من طراز فيدل كاسترو أو شقيقه راؤول أو إرنستو تشي غيفارا. كما أنّ الرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل لا يحظى بالكاريزما الثورية التي جعلت النظام الكوبي، لعقود، يبدو وكأنّه جزء من أسطورة عالمية تتجاوز حدود الجزيرة نفسها.

ومن الواضح أنّ الأزمة الاقتصادية الحالية في كوبا تكاد تكون خانقة بالفعل. فالبلاد تعاني من نقص حاد في الوقود والكهرباء والمواد الغذائية، فيما تسبّبت العقوبات الأميركية الإضافية وتراجع الإمدادات النفطية الفنزويلية بتفاقم الانهيار الداخلي. وفي ظل هذا الواقع، باتت السياحة تمثّل الشريان شبه الوحيد المتبقّي للاقتصاد الكوبي.

ولعلّ أكثر ما يكشف حجم التحوّل الذي أصاب البلاد، أنّ النظام الذي أغلق الكنائس والأديرة بعد انتصار الثورة لأسباب أيديولوجية، عاد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ليفتحها مجددًا... ولكن لدواعٍ سياحية هذه المرّة.

سيل الأمثلة على ذلك له أوّلٌ وليس له آخر. ففي شوارع هافانا القديمة، تبدو كوبا اليوم وكأنّها تعيش على بيع ذاكرتها للعالم: السيارات الأميركية العتيقة العائدة إلى خمسينيات القرن الماضي تحوّلت إلى جزء من المشهد السياحي وفق دعايةٍ تشبه الدعابة مؤدّاها أنّ الجزيرة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسير في شوارعها سيارات أميركية الصنع بقطع غيارٍ من صنع روسي. والأديرة القديمة أصبحت فنادق على غرار "لوس فرايليس" قرب "بلازا دي سان فرانسيسكو"، بينما تحوّلت سيرة الثورة نفسها إلى مادة جذب اقتصادي... وحتى إرث إرنست همنغواي في الجزيرة، ورواية "الشيخ والبحر"، باتا جزءًا من اقتصاد السياحة أكثر من كونهما جزءًا من الثقافة.

هواجس الماضي في الحاضر المأزوم

غير أنّ المفارقة الأخطر في هذه الأيام تتمثّل في أنّ كوبا، التي لطالما عاشت تحت ظلّ الصراع الأميركي – السوفييتي، تجد نفسها حاليًا أمام احتمال عودة التوظيف الجيوسياسي نفسه، ولكن بصيغة مختلفة. فالتدفّق الروسي المتزايد إلى الجزيرة خلال السنوات الأخيرة، سياحيًا واقتصاديًا، أعاد إلى الأذهان المخاوف الأميركية القديمة من تحوّل كوبا مجددًا إلى منصّة نفوذ روسي قرب السواحل الأميركية.

صحيح أنّ الظروف الدولية الحالية تختلف جذريًا عن حقبة الحرب الباردة، إلا أنّ الحرب الأوكرانية والتصعيد العالمي المتسارع يدفعان واشنطن إلى النظر بقلق متزايد إلى أي موطئ قدم روسي أو صيني في الكاريبي. ومن هنا تحديدًا، يمكن فهم التصعيد الكلامي الذي يقوده ترامب ضد هافانا. ولكن هل يمكن أن يصل الأمر فعلًا إلى عمل عسكري أميركي ضد كوبا؟

ملامح السيناريوهات المطروحة

من الناحية الواقعية، يبدو الاحتمال العسكري المباشر مستبعدًا حتى الآن، لاعتبارات عديدة. فالولايات المتحدة تدرك أنّ أي تحرّك من هذا النوع في الجزيرة سيؤدي إلى تداعيات سياسية وأمنية هائلة داخل أميركا اللاتينية، فضلًا عن أنّه قد يمنح خصوم واشنطن الدوليين فرصة ذهبية لتصويرها كقوة استعمارية تعيد إنتاج سياسات القرن الماضي.

كذلك، فإنّ أي حرب ضد كوبا لن تكون نزهة سياسية داخلية للإدارة الأميركية نفسها، خصوصًا في ظل الإرهاق الذي تعانيه الولايات المتحدة نتيجة أزماتها الخارجية المتعددة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وصولًا إلى التنافس مع الصين.

ومع ذلك، فإنّ الخطورة الحقيقية لا تكمن بالضرورة في سيناريو الغزو الشامل، بل في احتمالات الذهاب نحو أشكال أخرى من التصعيد، سواء عبر تشديد الحصار إلى حدود الاختناق الكامل، أو عبر دعم اضطرابات داخلية، أو حتى من خلال استعراضات عسكرية بحرية وجوية تهدف إلى دفع النظام الكوبي نحو مزيد من الإنهاك.

في جميع الأحوال، تبدو كوبا اليوم أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية. فالجزيرة التي نجت من الحصار والحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، تجد نفسها الآن أمام عالم مختلف بالكامل، لم تعد فيه الشعارات الثورية وحدها كافية لإطعام الناس أو لحماية الأنظمة من الانهيار.

ربّما كان ترامب قاسيًا عندما وصف كوبا بالدولة الفاشلة، ولكنّ القسوة الأكبر تكمن في أنّ كثيرًا من الكوبيين أنفسهم باتوا يشعرون، للمرة الأولى منذ عقود، بأنّ الثورة التي صمدت طويلًا أمام الأميركيين لم تعد قادرة على الانتصار على الزمن... وهنا يكمن البيت في القصيد.

 

 *إعلامي وكاتب لبناني

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment