مفيد خطَّار

الصَّمْتُ، ذٰلِكَ العَالَمُ المُدْهِشُ بِضَجِيجٍ خَفِيٍّ لَا يُسْمَع، لَيْسَ غِيَابًا لِلصَّوْتِ بَلْ تَحَوُّلًا فِي شَكْلِهِ. حُضُورٌ آخَرُ أعمقَ مِمَّا نَظُنُّ.

فِيهِ لَا يَنطَفئُ العَالَمُ، بَلْ يَنْسَحِبُ لِيَكْشِفَ مَا يَجْرِي تَحْتَ الجِلْد. تَصِيرُ الأَصْوَاتُ أَثَرًا خَفِيًّا يُحَسُّ وَلَا يُسْمَع، وَيَغْدُو الضَّجِيجُ مُقِيمًا فِينَا لَا حَوْلَنَا.

فِي عَالَمٍ يَقِيسُ الحَقِيقَةَ بِكَثْرَةِ الكَلَامِ، يَبْهَتُ مَا لَا يُقَالُ كَأَنَّهُ غَيْرُ وَجُود. لٰكِنَّ الصَّمْتَ لَا يَغِيب؛ إِنَّهُ يَضَعُ القَلْبَ أَمَامَهُ دُونَ حُجُب، وَيَكْشِفُهُ كَمَا هُوَ، لَا كَمَا يُرِيدُ أَنْ يَكُون.

أَقِفُ أَمَامَهُ، لَا كَمَنْ فَقَدَ الكَلِمَةَ، بَلْ كَمَنْ يَتَأَمَّلُ ثِقَلَهَا. تَهْبِطُ اللُّغَةُ هُنَا إِلَى حَدِّهَا الأَدْنَى؛ لَا عِبَارَةَ تُنْقِذُ، وَلَا شَرْحَ يُخَفِّفُ. يَبْقَى الوُجُودُ مُعَلَّقًا، وَالسُّؤَالُ أَقْسَى مِمَّا قِيل.

الصَّمْتُ مِرْآةٌ لَا تُجَامِل. لَا تُعِيدُ مَا نُحِبُّ، بَلْ مَا نَخْشَى. فِيهِ تَسْقُطُ التَّبْرِيرَاتُ، وَتَخْفُتُ الأَصْوَاتُ الَّتِي نَسْتَنِدُ إِلَيْهَا، وَيَبْقَى مَا لَا يُقَالُ وَحْدَهُ أَمَامَنَا.

نَخَافُ الصَّمْتَ لَا لِفَرَاغِهِ، بَلْ لِامْتِلَائِهِ.

هُنَا، تَتَفَلَّتُ الذَّاكِرَةُ.

أَتَذَكَّرُ عَازَرًا، رَجُلًا مِنْ قَرْيَتِي كَانَ الأَرَقُ يُقِيمُ فِي لَيَالِيهِ كَأَنَّهُ ضَيْفٌ لَا يُغَادِر. كُنْتُ أَزُورُهُ وَأَنَا طَالِبٌ فِي الجَامِعَة، أَعُودُ إِلَيْهِ فِي عَتْمَةِ اللَّيْلِ كَمَنْ يَفْتِّشُ عَنْ مَعْنًى يَتَنَفَّس.

كَانَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ خَيْزَرَانٍ، بِلَا ظَهْرٍ وَلَا مَسْنَدٍ، كَأَنَّهُ يُسْنِدُ جَسَدَهُ إِلَى فَرَاغِهِ. وَكَانَ الصَّمْتُ بَيْنَنَا يَثْقُلُ حَتَّى يُسْمَع.

كُنْتُ أَسْأَلُهُ لَا طَلَبًا لِلإِجَابَة، بَلْ لِأُصْغِيَ إِلَى كَيْفَ يَقِفُ الكَلَامُ عِنْدَهُ. يَنْظُرُ إِلَيَّ، يَبْتَسِمُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى صَمْتِهِ كَأَنَّهُ يَدْخُلُ نَفْسَهُ مِنْ جَدِيد.

وَبَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، كَانَ يَقُولُ بِصَوْتٍ مُتَكَسِّرٍ: «مَا بَعْرِف… مَا بَعْرِف» ثُمَّ يَصْمُتُ، كَأَنَّهُ يُغْلِقُ بَابًا لِيَحْمِي مَا بَقِيَ مِنْهُ.

لَمْ يَكُنْ صَمْتُهُ فَرَاغًا، بَلْ كَانَ شَكْلًا مِنْ نَجَاةٍ هَادِئَة. وَلَمْ يَكُنْ قَسْوَةً، بَلْ تَرْتِيبًا خَفِيًّا لِمَا تَشَظَّى فِي الدَّاخِل.

فِي زَمَنٍ يَتَكَاثَرُ فِيهِ القَوْلُ حَتَّى يَفْقِدَ ثِقَلَهُ، يَصِيرُ الصَّمْتُ أَقْرَبَ إِلَى الحَقِيقَة؛ أَنْ نَبْقَى فِيهَا دُونَ شَرْحٍ يُنْقِذُنَا مِنْهَا.

بَعْدَ أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّه، لَمْ يَبْقَ مَا يُشْبِهُ اليَقِينَ إِلَّا صَمْتَ غِيَابِهِ. كَأَنَّ شُعْلَةً عَابِرَةً مَرَّتْ من هُنَا، وَتَرَكَتِ الضَّوْءَ دُونَ جَسَدِهَا.

وَمِنْ يَوْمِهَا، لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ: أَيْنَ الصَّمْتُ؟ 

بَلْ: كَمْ مِنَّا أَصْبَحَ يَعِيشُ دَاخِلَهُ دُونَ أَنْ يُلَاحِظَ؟

فالإنسانُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ وَطَنًا كَامِلًا: ذِكْرَيَاتٍ تَتَكَلَّم، وَجِرَاحًا تَتَخَفَّى، وَأَحْلَامًا لَمْ تُولَدْ بَعْد، وَخَوْفًا يُبَدِّلُ أَسْمَاءَهُ كَيْلَا يُعْرَف.