الرابطة القلمية بين لبنان وسوريا: كيف فجّر توصيف أدباء المهجر في نيويورك أزمة هوية ثقافية؟
نيويورك - تحقيق ليلى ابو حيدر
أثار تصنيف عدد من روّاد الرابطة القلمية كـ"شعراء سوريين" في حديقة عامة بمدينة نيويورك موجة اعتراض واسعة في الأوساط الثقافية والأكاديمية اللبنانية، وسط مطالبات رسمية وفكرية بتصحيح ما اعتُبر "تشويهاً للهوية اللبنانية" لعدد من أبرز أدباء المهجر الذين شكّلوا أحد أهم أعمدة النهضة الأدبية العربية الحديثة.
القضية التي بدأت من لوحة تعريفية في فضاء عام داخل الولايات المتحدة، تحوّلت سريعاً إلى سجال يتجاوز البعد الثقافي، ليصل إلى أسئلة الهوية، والذاكرة الجماعية، والسردية التاريخية للبنان في الخارج، خصوصاً في مرحلة يعيش فيها البلد أزمات سياسية وديموغرافية وثقافية متشابكة.
وفي قلب هذا الجدل برز اعتراض واضح على توصيف أسماء مثل جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، أمين الريحاني، وعفيفة كرم بأنهم "سوريون"، رغم ارتباطهم التاريخي والثقافي بالهوية اللبنانية الحديثة وبأدب المهجر اللبناني تحديداً.
ما الذي حدث في نيويورك؟
بحسب المعلومات المتداولة في الأوساط الثقافية اللبنانية، جرى إنشاء مساحة أو حديقة تحمل اسم "الرابطة القلمية" في مدينة نيويورك، تكريماً لأدباء المهجر العرب الذين أسسوا واحدة من أبرز الحركات الأدبية العربية في القرن العشرين.
غير أنّ الاعتراض اللبناني انفجر بعد ظهور توصيفات تعتبر عدداً من رموز الرابطة "شعراء أو أدباء سوريين"، الأمر الذي اعتبره أكاديميون ومؤرخون لبنانيون تزويراً للانتماء الوطني لهؤلاء الكتّاب، أو على الأقل تبسيطاً تاريخياً يتجاهل نشأة الكيان اللبناني وهوية معظم هؤلاء الأدباء. وتحوّلت القضية خلال أيام إلى مادة سجالية في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، مع دعوات لتدخل السفارة اللبنانية والبعثات الثقافية والجامعات لتوضيح الخلفية التاريخية للرابطة القلمية وأعضائها.
بيان عصام خليفة: "إلغاء للهوية اللبنانية"
من أبرز المواقف التي صدرت في هذا السياق، بيان المؤرخ والأكاديمي اللبناني الدكتور عصام خليفة، الذي ربط القضية بسياق أوسع يتعلق ـ بحسب تعبيره ـ بمحاولات إضعاف الهوية الوطنية اللبنانية.
وقال خليفة في تصريحه: "في مرحلة تحاول بعض القوى الداخلية والإقليمية والدولية إلغاء الهوية اللبنانية من خلال ما يجري في قرانا ومدننا الجنوبية من تدمير وتهجير ومحو كل مظاهر العمران والحياة بما يناقض القوانين الدولية الناظمة للحروب."
وأضاف: "وفي أيام تسعى بعض السياسات إلى إلغاء الهوية الوطنية اللبنانية من خلال التهجير والنزوح الداخلي والخارجي، وتشويه الذاكرة التاريخية لشعبنا من خلال محاولة دمج مادة التاريخ، في مشروع المناهج الجديدة، بغيرها من مواد العلوم الإنسانية وإعطاء كل ذلك رصيدين فقط."
واعتبر خليفة أن الأخطر يتمثل في: "إلغاء الهوية اللبنانية عن كل من جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمه، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني وعفيفة كرم، وغيرهم، واعتبارهم سوريين."
تصريح خليفة لم يكن مجرد اعتراض ثقافي، بل حمل أبعاداً سياسية وتاريخية واضحة، إذ وضع الحادثة ضمن سياق الصراع على الذاكرة الوطنية اللبنانية وعلى تعريف لبنان نفسه في الداخل والخارج.
الجمعية التاريخية اللبنانية تدخل على الخط
بالتوازي مع موقف خليفة، أصدرت الجمعية التاريخية اللبنانية بياناً دعت فيه السلطات الرسمية اللبنانية، وخصوصاً وزارة الخارجية ووزارة الثقافة، إلى التحرك العاجل لتصحيح ما وصفته بـ"الخطأ التاريخي".
واعتبرت الجمعية أن توصيف روّاد الرابطة القلمية كسوريين يتناقض مع الوقائع التاريخية والثقافية المعروفة، خصوصاً أن غالبية هؤلاء الأدباء ارتبطوا عضوياً بالحياة الفكرية اللبنانية الحديثة، وأسهموا في تشكيل صورة لبنان الثقافية عالمياً. كما شددت على أن أي معالجة أكاديمية أو ثقافية لأدب المهجر يجب أن تراعي الفوارق التاريخية بين مفهوم "سوريا الطبيعية" العثمانية والجنسية الوطنية الحديثة بعد قيام دولة لبنان الكبير عام 1920.
هل كان أدباء الرابطة القلمية "سوريين" تاريخياً؟
هنا تبدأ العقدة الأساسية في الجدل.
فمن الناحية التاريخية، هاجر معظم أعضاء الرابطة القلمية من بلاد الشام خلال الحقبة العثمانية، أي قبل رسم الحدود الحديثة بين لبنان وسوريا. وفي الأدبيات الغربية القديمة، كان يُستخدم أحياناً مصطلح "Syrian" للإشارة إلى المهاجرين القادمين من المنطقة الشامية عموماً، بما فيها لبنان الحالي.
لكن الاعتراض اللبناني ينطلق من أن هذا الاستخدام التاريخي لا يبرر، اليوم، إلغاء الهوية اللبنانية الواضحة لكتّاب مثل:
• جبران خليل جبران - بشرّي، متصرفية جبل لبنان
• أمين الريحاني - الفريكة، متصرفية جبل لبنان
• إيليا أبو ماضي - المحيدثة (المتن)، لبنان
• ميخائيل نعيمة - بسكنتا، متصرفية جبل لبنان
• عفيفة كرم - أمشيت، لبنان
• عقيبة معلوف - شليفا، البقاع، لبنان
• عباس أبو شقرا - عمّاطور، الشوف، لبنان
• نسيب عريضة - حمص، سوريا
• ندرة حداد - حمص، سوريا
وهم شخصيات تُدرَّس في لبنان بوصفها من رموز الأدب اللبناني الحديث وأدب المهجر اللبناني تحديداً.
في المقابل، يرى بعض الباحثين أن الرابطة القلمية نفسها كانت عابرة للهويات الوطنية الضيقة، وأنها نشأت قبل تبلور الدول الحديثة في المشرق العربي، ما يجعل تصنيفها ضمن إطار "سوري" أو "لبناني" فقط أمراً معقداً تاريخياً. إلا أن المنتقدين يردّون بأن التعقيد التاريخي لا يبرر محو الهوية اللبنانية أو اختزالها.
الرابطة القلمية: مشروع أدبي أم معركة هوية؟
تأسست الرابطة القلمية في نيويورك عام 1920، وضمت نخبة من أدباء المهجر العرب الذين سعوا إلى تجديد اللغة العربية والشعر والنثر، والتحرر من القوالب التقليدية. وقد لعبت دوراً محورياً في تحديث الأدب العربي، وارتبط اسمها بجبران خليل جبران ورفاقه الذين نقلوا الأدب العربي إلى فضاء عالمي جديد.
لكن بعد أكثر من قرن على تأسيسها، تبدو الرابطة القلمية اليوم في قلب سجال سياسي وثقافي يتجاوز الأدب نفسه. فالاعتراض اللبناني لا يتعلق فقط بلوحة تعريفية، بل بالخوف من إعادة صياغة الرواية الثقافية للمشرق، في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات حادة في الهويات والانتماءات والخرائط السياسية. ويقول أكاديميون لبنانيون إن القضية تعكس مشكلة أعمق تتعلق بضعف الحضور الثقافي اللبناني الرسمي في الخارج، مقابل نشاط روايات ثقافية أخرى أكثر تنظيماً وقدرة على التأثير.
لماذا يُعدّ جبران تحديداً رمزاً حساساً للبنان؟
يشكل جبران خليل جبران حالة خاصة في الوعي اللبناني، إذ تحوّل منذ عقود إلى رمز عالمي للثقافة اللبنانية، وربما الشخصية الأدبية اللبنانية الأكثر شهرة دولياً. وتعتبر مؤسسات لبنانية عديدة أن أي تغيير في توصيف هوية جبران أو رفاقه يمس بصورة لبنان الثقافية في العالم، خصوصاً أن الدولة اللبنانية نفسها استثمرت لعقود في تقديم أدباء المهجر بوصفهم جزءاً من "القوة الناعمة" للبنان. كما أن أدب المهجر ارتبط في السردية اللبنانية التقليدية بفكرة الانفتاح والتعددية والهجرة والنجاح العالمي، وهي عناصر يعتبرها كثيرون جزءاً من تكوين الهوية اللبنانية الحديثة.
بين التاريخ والسياسة: لماذا انفجرت القضية الآن؟ يرى مراقبون أن توقيت الجدل ليس منفصلاً عن المناخ اللبناني العام. فالبلد يعيش منذ سنوات أزمة وجودية متعددة الأبعاد:
- انهيار اقتصادي غير مسبوق
- هجرة كثيفة
- انقسامات سياسية حادة
- توتر حول مفهوم الدولة والسيادة
- جدل حول المناهج والذاكرة الوطنية
- حرب مدمرة في الجنوب وتداعياتها
ضمن هذا السياق، يصبح أي نقاش حول الهوية أو التاريخ أو الرموز الثقافية شديد الحساسية، لأن اللبنانيين يشعرون بأن صورة بلدهم ومكانته تتعرضان للاهتزاز. ولهذا السبب، تحوّل توصيف أدباء المهجر في نيويورك من تفصيل ثقافي محدود إلى قضية رأي عام ثقافي وسياسي.
هل تتحرك الدولة اللبنانية؟
حتى الآن، يتركز التحرك في إطار أكاديمي وثقافي وإعلامي، لكن ضغوطاً تتصاعد باتجاه وزارة الخارجية ووزارة الثقافة والسفارة اللبنانية في واشنطن للتواصل مع الجهات المنظمة للمشروع في نيويورك، بهدف تعديل التوصيفات أو توضيح الخلفية التاريخية بشكل أكثر توازناً.
كما يدعو مثقفون إلى استثمار القضية لإطلاق مشروع لبناني أوسع لحماية الإرث الثقافي اللبناني عالمياً، سواء عبر التوثيق أو الترجمة أو الحضور الأكاديمي الدولي.
تكشف أزمة "الرابطة القلمية" في نيويورك أن معارك الهوية في الشرق الأوسط لم تعد تقتصر على الجغرافيا والسياسة، بل باتت تمتد إلى الذاكرة الثقافية والأدبية أيضاً.
فبعد أكثر من مئة عام على تأسيس الرابطة القلمية، يعود جبران ورفاقه إلى واجهة السجال، لا كشعراء فقط، بل كرموز لصراع أعمق حول تعريف الانتماء والهوية والتاريخ. وفي بلد مثل لبنان، حيث تختلط الثقافة بالسياسة، يصبح توصيف شاعر أو أديب مسألة تتجاوز الأدب بكثير.













05/17/2026 - 08:33 AM





Comments