"لبنان الرسالة" والأنقاض

05/16/2026 - 08:08 AM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف 

مع اقتراب موعد تطويب البطريرك إلياس الحويك، الرجل الذي ارتبط اسمه بولادة لبنان الكبير، يعود السؤال اللبناني القديم بصيغة أكثر قسوة: أي وطن يبقى حين تُمحى القرى من الجغرافيا، وحين تصبح الذاكرة نفسها هدفاً من أهداف الحرب؟

في جنوب لبنان، لم تدخل الجرافات بعد هدوء البنادق لتزيل حجارة فحسب، بل لتطرح إشكالية أعمق تتجاوز حدود الدمار المادي. فحين يُهدم منزل بعد توقف المعارك، لا يعود الأمر مجرد تفصيل ميداني، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي وقانوني حول معنى الحرب وحدود القوة وحدود الإنسان معاً.

القانون الدولي الإنساني، الذي نشأ من رحم المآسي الكبرى في القرن العشرين، لم يُوضع ليكون نصاً احتفالياً في المؤتمرات الدولية، بل ليحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية وسط العنف. فـاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة بها قامت على مبدأ بسيط في جوهره وعميق في دلالته: حتى الحرب لها حدود. ومن هنا جاءت قواعد التمييز والتناسب والضرورة العسكرية. التمييز بين المدني والمقاتل، بين المدرسة والثكنة، بين القرية والموقع العسكري. أما التناسب، فيفترض ألا تتحول ملاحقة هدف عسكري إلى تدمير حياة جماعية كاملة. في حين أن مفهوم الضرورة العسكرية لا يمنح الجيوش حق التدمير المطلق، بل يضع استخدام القوة تحت رقابة أخلاقية وقانونية صارمة.

غير أن ما شهده جنوب لبنان بين أكتوبر 2024 ويناير 2025 أعاد طرح الإشكالية القديمة الجديدة: هل تكمن أزمة القانون الدولي في نصوصه، أم في إرادة تطبيقه؟

تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تحدثت عن تدمير واسع طال آلاف المباني والبنى المدنية، من منازل وطرقات وحقول ومقابر، بعضها بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وفي مناطق أصبحت خاضعة لسيطرة عسكرية كاملة. هنا تحديداً تتعقد المسألة القانونية، لأن مفهوم "الضرورة العسكرية" يصبح أكثر هشاشة حين يغيب الاشتباك المباشر وتبقى عمليات الهدم مستمرة.

الرواية الإسرائيلية تستند، كالعادة، إلى اعتبار أن بعض الأبنية كانت تُستخدم لأغراض عسكرية أو مرتبطة ببنية تحتية تابعة لـ حزب الله. غير أن القانون الدولي الإنساني لا يجيز تحويل كل فضاء مدني إلى هدف مشروع استناداً إلى الشبهة وحدها، بل يفرض إثبات الصلة العسكرية المباشرة، ويفرض كذلك اتخاذ إجراءات احتياطية تقلل الخسائر المدنية إلى الحد الأدنى الممكن.

لكن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في تفسير النصوص، بل في غياب آليات فعالة للمساءلة. فالقانون الدولي، رغم توسعه النظري، ما زال يفتقر إلى سلطة تنفيذية مستقلة قادرة على فرض المحاسبة على الدول القوية. ولهذا تبدو العدالة الدولية، في كثير من الأحيان، بطيئة أمام سرعة التدمير.

وما يجري في لبنان ليس حالة معزولة عن السياق العالمي. فمن غزة إلى أوكرانيا، ومن سوريا إلى السودان، يتكرر المشهد نفسه: نصوص قانونية متقدمة يقابلها عجز سياسي عن فرض الالتزام بها. الدول نفسها التي تدافع عن القانون الدولي في المحافل الدبلوماسية تتردد غالباً في الخضوع الكامل له حين تتعارض أحكامه مع حسابات القوة والمصلحة.

المفارقة أن القانون الدولي الإنساني ليس قانوناً مثالياً أو طوباوياً. فهو لا يطالب الجيوش بأن تتخلى عن حقها في الدفاع أو العمليات العسكرية، بل يحاول التوفيق بين مقتضيات الحرب ومتطلبات الإنسانية. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول "الضرورة" إلى مفهوم مطاط، وعندما يصبح الاستثناء قاعدة، ويغدو بقاء المنزل قائماً حدثاً نادراً لا أصلاً ثابتاً.

في الحالة اللبنانية، لا تختصر المأساة بعدد المباني المهدمة. المسألة أعمق من ذلك بكثير، لأنها تطاول البنية الاجتماعية والذاكرة الجماعية وإمكانية العودة نفسها. فالطرق الزراعية المقطوعة، والحقول المحروقة، والقرى التي أزيلت معالمها، ليست مجرد أضرار جانبية، بل عناصر تضرب استمرارية المكان والإنسان معاً.

وهنا تستعيد المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة معناها الحقيقي، إذ تحظر تدمير الممتلكات الخاصة إلا في حالات الضرورة العسكرية المطلقة. غير أن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في اتساع تفسير هذه "الضرورة" إلى حد يكاد يُفرغ النص من مضمونه.

الصحافة، في هذا السياق، لا تملك سلطة القضاء، لكنها تملك سلطة الذاكرة. وظيفتها ألا تسمح بتحويل الدمار إلى خبر عابر، بل إلى شهادة موثقة في وجه النسيان. أما الفكر الأكاديمي، فدوره ألا يكتفي بوصف الوقائع، بل أن يسأل عن البنية السياسية التي تجعل خرق القانون أقل كلفة من احترامه.

ولعل المأساة اللبنانية اليوم تكمن في هذا التناقض بالذات: وطن وُلد تاريخياً على فكرة الرسالة والعيش المشترك، لكنه يجد نفسه مرة جديدة في قلب صراع تتقدم فيه القوة على القانون، والمصلحة على العدالة.

ويبقى السؤال الصعب مفتوحاً: أي سلام يمكن أن يُبنى فوق أنقاض القرى، وأي دولة يمكن أن تنهض إذا تحولت الذاكرة الجماعية نفسها إلى ساحة حرب؟ رغم اقتناعنا بضرورة السلام...

فالهدم بعد توقف النار ليس تفصيلاً تقنياً في معركة، بل علامة على أزمة أعمق يعيشها العالم المعاصر: أزمة نظام دولي يعرف القانون جيداً، لكنه يعجز، أو يرفض أحياناً، أن يحوّله إلى عدالة فعلية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment