حين تتحوّل المدرسة إلى مرآة للانهيار: طلاب بلا ضوابط في بلد بلا قدوة

05/15/2026 - 12:25 PM

Prestige Jewelry

 

 

الكاتب السياسي: فرنسوا الجردي

ما حصل في مدرسة الـ Lycée Français لا يمكن التعامل معه كـ“مشاغبة طلابية” عابرة. وفق ما نُشر، تحدّثت تقارير إعلامية عن فوضى داخل المدرسة، اقتحام صفوف، تكسير، واستعمال مفرقعات وسط قلق من إصابات، وذلك في سياق توتر أوسع بعد قرار يخص امتحانات الـBAC الفرنسي في لبنان.

هذه الحادثة، إذا صحّت تفاصيلها كما نُقلت، تكشف أزمة أعمق من جيل غاضب أو مراهقين “متحمسين”. نحن أمام نتيجة طبيعية لتراكم طويل: بيت تراجع فيه دور السلطة التربوية، مدرسة تخاف أحيانًا من الحزم كي لا تُتّهم بالقمع، دولة غائبة لا تفرض هيبة القانون، وسوشال ميديا تحوّل الفوضى إلى مشهد قابل للتصوير والتفاخر والانتشار.

المسؤولية الأولى تبدأ من الأهل. ليس لأنهم وحدهم سبب الانفلات، بل لأن التربية الأولى تبدأ من البيت: احترام الآخر، احترام المكان العام، ضبط الغضب، فهم أن الاعتراض لا يعني التكسير، وأن الحرية لا تعني الاعتداء. عندما يكبر الطالب على فكرة أن كل شيء قابل للتبرير، وأن المال أو النفوذ أو “أنا حر” يمكن أن يحميه من المحاسبة، يصبح العنف سلوكًا متوقعًا لا مفاجئًا.

ثم تأتي المدرسة. المؤسسة التربوية ليست فقط مكانًا للعلامات واللغات والشهادات، بل مساحة لصناعة الشخصية. المدرسة التي لا تملك نظامًا واضحًا للمحاسبة، أو تتردد في تطبيقه، تساهم من حيث لا تدري في إنتاج طالب يخلط بين الجرأة والوقاحة، وبين التعبير والفوضى. الحزم التربوي ليس قمعًا، بل حماية للطلاب أنفسهم قبل حماية الجدران والمقاعد.

أما الدولة، فهي الخلفية الكبرى لكل هذا المشهد. عندما يرى الجيل الجديد أن القانون يُكسر يوميًا في السياسة والشارع والإعلام، وأن المحاسبة شبه غائبة، فمن الطبيعي أن يترجم هذه الثقافة داخل المدرسة. الطالب لا يعيش في فراغ؛ هو ابن بلد يرى فيه العنف اللفظي والسياسي والاجتماعي أمرًا يوميًا.

ولا يمكن تجاهل دور السوشال ميديا. جزء من سلوك هذا الجيل صار محكومًا بالكاميرا: افعل شيئًا صادمًا، صوّره، انشره، واجمع التفاعل. هنا يصبح الخطأ “ترندًا”، والفوضى مادة للضحك، والتكسير بطولة مزيفة. الأخطر أن بعض الطلاب لم يعودوا يخافون من الفعل نفسه، بل يفكرون كيف سيظهرون أمام الآخرين بعد نشره.

هذه الحادثة يجب أن تكون إنذارًا لا مادة عابرة للجدل. المطلوب ليس شيطنة الطلاب، بل إنقاذهم من ثقافة الانفلات. والمطلوب ليس فقط عقابًا، بل إعادة بناء منظومة كاملة: أهل يحاسبون، مدرسة تضبط، دولة تطبق القانون، وإعلام وسوشال ميديا يتوقفان عن تحويل الفوضى إلى بطولة.

لأن المشكلة الحقيقية ليست في مقعد مكسور أو صف مخرب. المشكلة أن جيلًا كاملًا قد يتعلم أن الصراخ أقوى من المنطق، وأن التخريب أسرع من الحوار، وأن غياب المحاسبة هو القاعدة. وهنا يصبح ما جرى داخل مدرسة واحدة صورة مصغّرة عن بلد يحتاج إلى تربية جديدة قبل أي شيء آخر.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment