لا تعاشر الناقص

05/15/2026 - 11:23 AM

Bt adv

 

 

شبل الزغبي

لبنان لم يُدمَّر بأعداء من الخارج وحده، بل بحلفاء من الداخل تحوّلوا إلى خصوم، وفي الحالتين كان الشعب هو الضحية.

منذ عقود، بنى السياسيون اللبنانيون تحالفاتهم لا على المبادئ، بل على المصالح. تقاسموا الحصص والمقاعد والصفقات، وتبادلوا الأسرار والملفات والولاءات، وآمنوا جميعًا بمعادلة واحدة: الشريك الفاسد ضامن صامت ما دامت المصلحة قائمة. لكن الفساد لا يصنع صداقات، بل يصنع رهائن، والرهينة تعيش حياة المُطيع وتموت موت الخائن. وحين تنكسر القيود، تتحوّل كل رهينة إلى شاهد انتقام.

لننظر إلى المشهد اليوم: هؤلاء الذين دمّروا البلد، تقاسموا الدولة فيما بينهم، أفرغوا خزينتها، أذلّوا مؤسساتها، ورهنوا قرارها بالأمس لدمشق واليوم لطهران، باتوا يومياً يتبادلون الاتهامات على الملأ. كل واحد منهم يفضح سرّ الآخر، لا لأنه استيقظ ضميره فجأة، ولا لأنه أحبّ الحقيقة يومًا، بل لأن الخصومة أطلقت ما كانت المصلحة تكتمه. في هذا الفضح المتبادل، لا بطولة ولا شهادة، بل اعتراف ضمني بأنهم جميعًا كانوا شركاء في الجريمة ذاتها.

عون وحزب الله تفاهما على وثيقة بنودها خاوية، وتقاسما ما لا يحق لأيٍّ منهما. حين افترقا، راح كل طرف يتحدث عن خيانة الآخر، وهما لا يعلمان، أو يتجاهلان، أن الخيانة الأولى كانت للوطن لا لبعضهما. 

الحريري، جنبلاط، بري ورفاقهم، حكموا الدولة والمجلس النيابي حكم الإقطاعي النّاهب لأرضه، فصادروا الدستور والتشريع وحوّلوهما أداةً للتعطيل متى شاؤوا، وللتمرير متى أُمروا. حتى السياديين أصبحت انعطافاتهم مشبوهة مؤخراً، والمنظومة برمّتها، بكل ألوانها وطوائفها وشعاراتها، كانت وجوهًا مختلفة لمشروع واحد: إبقاء الدولة غنيمةً موزّعة، والشعب قطيعًا مُدارًا.

المأساة الحقيقية ليست أنهم تخاصموا، بل أن خصوماتهم لم تُنتج حقيقة، إنما أنتجت مزيدًا من الوحل. حين يفضح الفاسد فساد شريكه، فهو لا يُقدّم خدمةً للعدالة، بل يُقدّم سلاحًا في معركة شخصية. والشعب الذي يُصفّق لهذه الفضائح يخلط بين الانتقام والمحاسبة، وهما ضدّان لا يلتقيان.

لبنان دفع ثمن معاشرة هؤلاء الناقصين لبعضهم طويلًا، ثم دفع ثمن خصوماتهم أيضًا. والفاتورة في الحالتين كانت باسمه هو: تدمير الحجر والبشر، انهيار الاقتصاد والعملة، سرقة جنى العمر، تفجير المرفأ، تهجير الأبناء، وإفقار ما تبقّى. أما هم، فلا يزالون يتخاصمون، وكل واحد منهم يقول عن الآخر ما ليس فيه، ويُخفي ما هو فيه. ولا مخرج في بلد أصبحت فيه الخصومة بين الفاسدين ترفًا سياسياً يدفع ثمنه من لا ناقصٌ فيهم.

الحكمة تقول: لا تعاشر الناقص. ولبنان عاشر النواقص جميعًا في آنٍ واحد، فورثنا وطناً ناقصاً من كل شيئ إلا الوجع.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment