مِن أمِّ الحياةِ إلى أمِّ ينبوعِ الحياةِ

05/15/2026 - 10:05 AM

Arab American Target

 

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

إنّ دورانَ العقولِ والأرضِ والأرواحِ، يُراوح دائمًا بينَ الموتِ والحياةِ. ولستُ أدري إنْ كان الإنسانُ قادرًا على كسْرِ حدودِ هذهِ الزّوابعِ والخروجِ منْ عالمِ الظلمةِ إلى عالمِ النّورِ. ما هذِه الخدعةُ القديمةُ الجديدةُ التي تجذبُ الحضاراتِ والأفرادَ، وحتّى الأديانَ أحيانًا، إلى ساحاتِ الحروبِ والاقتتالِ؟ لماذا لا نتعلّمُ مِن سنبلةِ القمحِ التي تنحني أمامَ العواصفِ والصّواعقِ، لكي تصيرَ يومًا قمحًا يُطحنُ ويُصبحُ رغيفًا على موائدِ الأرضِ كلّها، طعامًا لذيذًا يحملُ غذاءَ الحياةِ وقُوتِها؟

في هذِه المحنةِ العالميّةِ واللبنانيّةِ والمشرقيّةِ والأوروبيّةِ، بين الموتِ والحياةِ، واجهتُ في قلبِ عائلتي تجربةً صعبةً وقاسيةً، مؤذيةً حتّى حدودِ اليأسِ، إذ أُصيبَ اثنانِ مِن إخوتي معًا بمرضِ السّرطانِ، ذلكَ المرضِ المخادعِ القاتلِ الذي يجتاحُ جسدَ الإنسانِ ويُذلُّه، والقادرِ على إزالتِه مِن الوجودِ.

هنا لجأتُ بأسرعِ ما يُمكنُ إلى أمّ الحياةِ، صارخًا إليها وإلى ابنِها أن يُغدقا علينا بالرّحمةِ الإلهيّةِ. ولماذا إليها أوّلًا؟ لأنّ أخي الفنّانَ بشارة، المتخصّصَ بالفنِّ مِن جامعةِ باريس، والحاصلَ على شهادةٍ في الهندسةِ الداخليّةِ المعماريّة مِن جامعة الرّوح القدس – الكسليك، هو الذي وضع أولى الرّسوماتِ لأمِّ الحياةِ في سان دييغو – كاليفورنيا.

ومِن قلبِ المعاناةِ والصّراعِ مع الألمِ والوجعِ، استيقظَ أخي، بعدَ زمنٍ مِن العراكِ بين الموتِ والحياةِ، صارخًا بصوتٍ عالٍ، بعدما كان قد فَقَدَ كلّ نبضٍ أو أثرِ حياةٍ في جسدِه، قائلًا لزوجتِه نيلا: «اليومْ عيد العدرا». فأجابتْه: «أيّ عيد؟ وأين؟» فكرّر لها: «اليومْ عيدها في الأردن. اتّصلي بالعائلةِ كلِّها واطلبي منهم أن يصلّوا لها».

ولم يكنْ أحدٌ مِن العائلةِ، قريبًا كان أم بعيدًا، يعلمُ أنّ ذلك النهارَ كان فعلًا عيدُ أيقونةِ أمِّ ينبوعِ الحياةِ في ديرِ دبين في الأردن.

ومنذُ ذلك الوقتِ، أخذَ أخي يتحسّنُ، لأنّ سيدةَ ينبوعِ الحياةِ زارتْهُ في غيبوبتِه وفي قلبِ أوجاعِه. وهذا ما يقولُه الكتابُ المقدّسُ:

«في سفرِ إرميا، وصفَ اللهُ نفسَه بأنّه “ينبوعُ الماءِ الحيِّ”.»

فأرجو مِن جميعِ القرّاءِ، قريبين كانوا أم بعيدين، أن يلجأوا إلى أمِّ الحياةِ، أمِّ ينبوعِ الحياةِ، للنّجاة مِن قِوى الشرِّ المحدقةِ بنا، سواءَ على صعيدِ الأفرادِ أمِ الأوطانِ.

ماذا علينا أنْ نفعلَ؟

علينا أنْ نلجأَ بتواضعٍ إلى مياهِها الرّوحيّةِ وينبوعِها المائيّ للحياةِ.

وفي هذا الشّهرِ المريميّ، فلنبحثْ عنْ ينبوعِها، ولنَشربْ بكلتا يديْنا مِن نبعِها.

هذِه قصّتُها، فاقرأوها، وابدأوا الآنَ بطلبِ شفاعتِها، كما جاءَ في الكتابِ وفي تاريخِ ديرِها. اقرأوا ولا تُهملوا، فالعالمُ بحاجةٍ إلى الشفاءِ والخلاصِ والسّلامِ، وكثيرونَ مِن أحبّائِنا وأهلِنا يَرجون الحياةَ والشّفاءَ والعيشَ بهدوءٍ وسلامٍ.

"في أواسطِ القرنِ الخامسِ، كانتْ بجوارِ مدينةِ القسطنطينيةِ غابةٌ بديعةٌ تظلّلُها أشجارُ السّروِ، وتتخلّلها مروجٌ كثيرةٌ. وكانَ هذا المكانُ مكرّسًا منذُ الأزمنةِ القديمةِ لوالدةِ الإلهِ الفائقةِ القداسةِ، وفي وسطِه ينبوعُ ماءٍ كانتْ تحصلُ فيه بنعمةِ الله عجائبُ كثيرةٌ.

وذاتَ يومٍ مرَّ بهذا المكانِ جنديٌ اسمُه «لاون مركلوس»، فرأى رجلًا أعمىً تائهًا، فتحرّكتْ فيهِ عاطفةُ الشّفقةِ ومدَّ لهُ يدَ العونِ وقادَه إلى الطريقِ.

ولمّا اقتربا مِن المكانِ، اشتدّ عطشُ الأعمى، فتضرّعَ إلى لاون طالبًا ماءً. فدخلَ لاون إلى الغابةِ يبحثُ عنْ ماءٍ، وبعدَ عناءٍ طويلٍ لم يجدْ شيئًا، فعادَ حزينًا مكتئبًا. وفيما هو عائدٌ، سمعَ صوتًا يقولُ له:

«يا لاون، لا تتعبْ مفتّشًا عنِ الماء بعيدًا، لأنّ الماءَ قريبٌ منك».

فأخذَ يبحثُ وهوَ مرتعدٌ مِن الصّوتِ، ولكن دون جدوى. ثمّ سمعَ الصوتَ مرّةً ثانيةً يقولُ له:

«أيّها الملكُ لاون، ادخلْ إلى وسطِ الغابةِ، وستجدْ هناكَ ينبوعَ ماءٍ. استقِ منْه أنتَ والأعمى، وامسحْ عينيْه المكفوفتيْن بطينٍ مِن الينبوعِ، وسرعانَ ما ستعرفُ أنّني أنا السّاكنةُ هنا منذُ زمنٍ طويلٍ. فلا تُبطئْ في إقامةِ كنيسةٍ على اسمي، لأنّني سأستجيبُ جميعَ الصّلواتِ المقامةِ بإيمانٍ، وأمنحُ المستغيثينَ الشفاءَ».

فصنعَ لاون كما أُُمِرَ، وللحالِ عادَ الأعمى بصيرًا، ودخلَ المدينةَ وحدَه معلنًا عجائبَ والدةِ الإلهِ العظيمةِ.

وبعدَ سنواتٍ عدّةٍ، جلسَ لاون على عرشِ المملكةِ (457–473 م)، فتذكّرَ ظهورَ والدةِ الإلهِ لهُ عندَ الينبوعِ، فأسرعَ إلى تنظيفِ المكانِ مِن الطينِ وتعميقِ الينبوعِ، وأقامَ فوقَه كنيسةً بديعةً على اسمِ والدةِ الإلهِ، وسمّى ذلكَ المكانَ «الينبوعُ الحاملُ الحياةَ»، إذ كانَ يفيضُ بالعجائبِ، ويتوافدُ إليهِ المؤمنونَ طالبين معونتَها، فكانتْ تستجيبُ لهم وتمنحهُمُ الشفاءَ.

وبعدَ خضوعِ القسطنطينيةِ لحكمِ الأتراكِ، هُدمتِ الكنيسةُ، ومع ذلك بقيتْ والدةُ الإلهِ تصنعُ عجائبَ شفاءٍ كثيرةً. ثمّ أُعيدَ بناؤها في عهدِ السّلطان محمود، ودُشّنتْ سنة 1835م. ولا تزالُ هذِه الكنيسةُ قائمةً حتّى اليوم، وبقربِها مستشفىً ومأوىً للفقراءِ.

إنّ تسميةَ والدةِ الإلهِ بـِ «ينبوعُ الحياةِ» تدلّ على أنّها الينبوعُ الفائضُ بالحياةِ والخلاصِ للعالمِ، وأنّها لا تزالُ حتّى اليومَ تفيضُ برحمتِها ومعونتِها الغزيرةِ على المؤمنينَ كما وعدتْهُم.

لأنّكِ يا والدةَ الإلهِ، لا يسرع إليكِ أحدٌ ويعودُ خائبًا من لدنكِ أيّتها البتولُ النقيّةُ أمُّ الإلهِ، بلْ كلّ مَن يطلبْ نعمةً ينلْ موهبةً بحسب ما يوافقُ طلبَه.

أيّتها الفائقةُ القداسةِ والدةُ الإلهِ، خلّصينا.

أيّتها الممتلئةُ نعمةً، يا ينبوعَ الحياةِ الذي لا ينضبُ، تفيضين علينا بلا انقطاعٍ بأشفيةِ نعمتِكِ التي تفوقُ الوصفَ. لأنّكِ وَلَدْتِ الكلمةَ بطريقةٍ لا تُدركُ، أبتهلُ إليكِ أن تندّيني بنعمتِكِ، لكي أصرخَ نحوكِ هاتفًا:

إفرحي يا ماءً مخلّصًا

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment