الأب ألبر حبيب عسّاف
يستعدّ الكرسي الرسولي في الفاتيكان لإصدار المرسوم الرسمي الذي يعلن البطريرك الماروني المثلث الرحمة إلياس بطرس الحويّك طوباويًا، في خطوة تتجاوز كونها حدثًا كنسيًا بحتًا لتلامس عمق الهوية اللبنانية، وتعيد فتح صفحات مفصلية من تاريخ نشوء الكيان اللبناني الحديث. فالرجل الذي قاد الكنيسة المارونية في واحدة من أحلك مراحل الشرق، يتحوّل اليوم إلى علامة روحية ووطنية، وإلى جسر بين الماضي والحاضر، بين الإيمان والكيان، وبين رسالة لبنان ودوره في محيط مضطرب.
طوباوية تتخطّى حدود الكنيسة
لا يمكن النظر إلى إعلان طوباوية البطريرك الحويّك كحدث كنسي داخلي فحسب. فالرجل الذي عاش بين 1843 و1931 لم يكن مجرد راعٍ روحي، بل كان أحد أبرز مهندسي ولادة لبنان الكبير، وصوتًا صارخًا في وجه الظلم والجوع والاضطهاد خلال الحرب العالمية الأولى، ومرجعية سياسية وروحية في آن واحد.
الكرسي الرسولي، وهو يستعد لإعلان الطوباوية، يعيد الاعتبار إلى شخصية لعبت دورًا تأسيسيًا في صياغة هوية لبنان الحديثة. لكنّ الفاتيكان، في الوقت نفسه، يقدّم للبنانيين وللعالم نموذجًا لرجل عاش الإيمان كقوة تحرير، والقيادة كخدمة، والوطن كرسالة.
بين بكركي وروما… نبض واحد
تعيش بكركي في هذه الأيام حركة غير مسبوقة. اجتماعات، صلوات، تحضيرات ليتورجية، لقاءات مع الوفود، وورش عمل إعلامية وروحية. فالإعلان المرتقب ليس حدثًا عابرًا، بل هو لحظة تاريخية تعيد وصل الكنيسة المارونية بجذورها العميقة، وتعيد تظهير الدور الذي لعبته في حماية الوجود اللبناني.
وفي روما، تتكثّف الاجتماعات داخل مجمع دعاوى القديسين، حيث اكتملت الملفات التاريخية واللاهوتية والطبية، وتم التثبّت من الأعجوبة المنسوبة إلى شفاعة البطريرك الحويّك. ومع توقيع البابا على المرسوم، يدخل لبنان مرحلة جديدة من قراءة تاريخه الروحي والوطني.
الحويّك… رجل الله ورجل الدولة
من الصعب فصل شخصية البطريرك الحويّك عن السياق التاريخي الذي عاش فيه. فقد تولّى السدة البطريركية عام 1899، في زمن كانت فيه المنطقة تغلي تحت وطأة السلطنة العثمانية، والحرب، والمجاعة، والاضطهاد. ومع ذلك، لم ينكفئ الرجل إلى داخل الجدران الكنسية، بل خرج إلى العالم، مدافعًا عن شعبه، وعن حقه في الحياة والحرية والكرامة.
1. في زمن المجاعة… كان أبًا للجائعين
خلال الحرب العالمية الأولى، عاش لبنان واحدة من أسوأ المجاعات في تاريخه. مات عشرات الآلاف، وانتشرت الأوبئة، وفرض جمال باشا السفّاح حصارًا خانقًا على الجبل. في تلك اللحظة، تحوّل البطريرك الحويّك إلى صوت المظلومين، ففتح أبواب بكركي، وجمع التبرعات، وواجه السلطة العثمانية بجرأة نادرة.
كان يقول: "لا يمكن للكنيسة أن تصمت حين يجوع أبناؤها".
2. في مؤتمر السلام… كان مهندس لبنان الكبير
بعد انتهاء الحرب، حمل الحويّك قضية لبنان إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919. وهناك، وقف أمام القوى الكبرى، مدافعًا عن حق لبنان في الاستقلال، وفي حدوده الطبيعية والتاريخية. لم يكن مجرد رجل دين، بل كان رجل دولة بكل معنى الكلمة. وقد قال يومها عبارته الشهيرة: "نحن نريد لبنان وطنًا حرًا مستقلًا، يعيش فيه جميع أبنائه بكرامة."
3. في بناء الدولة… كان ضميرًا وطنيًا
لم يكتفِ الحويّك بالمطالبة بالاستقلال، بل عمل على ترسيخ أسس الدولة الحديثة، وعلى حماية التعددية، وعلى تعزيز الشراكة بين المسيحيين والمسلمين. كان يرى في لبنان رسالة، لا مجرد مساحة جغرافية.
لماذا الآن؟… سؤال يتجاوز الزمن
قد يسأل البعض: لماذا يأتي إعلان الطوباوية الآن، بعد نحو قرن على وفاة البطريرك الحويّك؟
الجواب يتجاوز البعد الزمني. فلبنان يعيش اليوم أزمة وجودية شبيهة بتلك التي عاشها في زمن الحويّك: انهيار اقتصادي، هجرة، صراعات سياسية، تهديدات أمنية، وانقسام حول هوية الدولة ودورها. وفي هذا السياق، تبدو شخصية الحويّك كأنها تعود لتذكّر اللبنانيين بما يمكن أن يكونوا عليه، لا بما وصلوا إليه.
1. لأن لبنان يحتاج إلى رموز جامعة
في بلد تتنازعه الانقسامات، يشكّل الحويّك شخصية جامعة، يتفق على احترامها الجميع، مسيحيين ومسلمين، موارنة وسواهم. فهو رمز للثبات، وللوطنية، وللشجاعة الأخلاقية.
2. لأن الكنيسة المارونية تستعيد دورها التاريخي
منذ سنوات، تلعب بكركي دورًا محوريًا في الدفاع عن الكيان اللبناني، وعن الدستور، وعن الشراكة الوطنية. وإعلان طوباوية الحويّك يعيد التأكيد على هذا الدور، ويمنحه بعدًا روحيًا إضافيًا.
3. لأن العالم يحتاج إلى نماذج قيادية أخلاقية
في زمن تتراجع فيه القيم، وتتصاعد النزاعات، وتنهار الثقة بالسياسة، يقدّم الحويّك نموذجًا لقيادة مبنية على الإيمان، وعلى خدمة الإنسان، وعلى الدفاع عن الحق.
البعد الروحي… طوباوية من قلب الألم
لا يمكن فهم طوباوية الحويّك من دون التوقف عند حياته الروحية. فقد كان رجل صلاة، ورجل صوم، ورجل تسليم كامل لمشيئة الله. عاش الألم، لكنه لم يسمح له بأن يتحوّل إلى حقد. واجه الظلم، لكنه لم يردّ بالظلم. حمل صليب شعبه، لكنه لم يفقد الرجاء.
إيمان يحرّر… لا يقيّد
كان يرى في الإيمان قوة تحرير، لا قوة انغلاق. ولذلك، كان منفتحًا على الحوار، وعلى بناء الجسور، وعلى المصالحة. كان يعتبر أن الكنيسة ليست مؤسسة سلطوية، بل أمًا حاضنة.
قداسة من نوع آخر
قداسة الحويّك ليست قداسة المعجزات فقط، بل قداسة الموقف. قداسة الدفاع عن الإنسان. قداسة قول الحقيقة. قداسة حمل الوطن في القلب.
الحدث المنتظر… كيف سيجري الإعلان؟
وفق المعلومات المتوافرة، سيصدر المرسوم البابوي خلال النصف الثاني من الشهر الحالي، في احتفال رسمي داخل الفاتيكان، بحضور وفد لبناني رسمي وروحي. وبعد الإعلان، تبدأ التحضيرات للاحتفال الليتورجي الكبير في لبنان، حيث سيُعلن البطريرك الحويّك طوباويًا في قداس رسمي في بكركي.
ماذا يعني ذلك للبنان؟
- إعادة الاعتبار إلى مرحلة تأسيسية من تاريخه
- تعزيز الروح الوطنية في زمن الانقسام
- تقديم نموذج قيادي أخلاقي للأجيال الجديدة
- إعادة وصل لبنان برسالته الروحية في الشرق
لبنان أمام مرآته… هل نتعلّم من الحويّك؟
إعلان الطوباوية ليس مجرد تكريم لشخصية تاريخية، بل هو دعوة إلى اللبنانيين كي ينظروا في مرآة تاريخهم. فالحويّك لم يبنِ لبنان بالكلام، بل بالفعل. لم يحمِ شعبه بالشعارات، بل بالتضحية. لم يواجه الظلم بالاستسلام، بل بالإيمان.
اليوم، يقف لبنان أمام سؤال كبير: هل نستطيع أن نستلهم من الحويّك شجاعة التأسيس من جديد؟
خاتمة: طوباوية وطن… لا طوباوية رجل فقط
حين يعلن الفاتيكان طوباوية البطريرك إلياس الحويّك، لن يكون ذلك حدثًا كنسيًا فحسب، بل سيكون إعلانًا روحيًا ووطنيًا بأن لبنان، رغم كل ما يمرّ به، ما زال قادرًا على النهوض. فالحويّك ليس مجرد ذكرى، بل هو مستقبل. ليس مجرد صفحة من الماضي، بل هو دعوة إلى كتابة صفحة جديدة.
إنه صوت يقول للبنانيين اليوم: "لا تخافوا… فلبنان رسالة، والرسالة لا تموت."













05/12/2026 - 21:02 PM





Comments