رشيد مينا
في بلدٍ مثل لبنان، حيث تتعدد الطوائف والمذاهب، وتتداخل الولاءات بين الداخل والخارج، وتاريخٌ مثقل بالحروب والصراعات، تصبح التربية والتعليم حجر الأساس لإعادة تكوين المواطن، وتحصينه بالهوية الوطنية، وتعزيز ولائه للوطن دون سواه.
ليست المشكلة فقط في أن لبنان تحوّل إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، بل في أن هذا الصراع بات يُدار أحيانًا من داخل الصفوف الدراسية، ومن خلف الألواح والكتب. التناقضات التي تُهيمن على الحياة السياسية، تجد صداها في المدارس والجامعات، حيث تُرّوج روايات متعددة للتاريخ، وتُغذّى العصبيات في اللاوعي، وتُغيب القيم الوطنية الجامعة.
إننا لا نتحدث عن حرية التعليم أو الديمقراطية في الصف، بل عن جوهر التربية والتعليم: كيف نُربي الأجيال على حب الوطن، لا الزعيم؟ على احترام الاختلاف، لا التناحر؟ على الانتماء إلى فكرة الدولة، لا الطائفة أو الحزب؟
من هنا، تصبح كل الشعارات عن إلغاء الطائفية وقيام الدولة المدنية على المحك. فالمصداقية تُختبر أولاً في المدرسة، في الحصّة الأولى، في الكلمة الأولى، في الكتاب المدرسي الموحد، في النهج التربوي العابر للطوائف. ولا بدّ من ورشة عمل وطنية كبرى تنطلق من:
- توحيد المناهج الرسمية والخاصة،
- تطوير الوسائل التربوية الحديثة،
- إعادة الاعتبار لدور المعلم ورفع مستواه المعيشي والأكاديمي،
- وضع معايير تربوية لا تخضع للمحاصصة الطائفية،
- تفعيل النشاطات اللامنهجية التي تطلق الفكر وتُنمي روح المسؤولية والانتماء.
التعليم الخاص ليس نقيضًا للتعليم الرسمي، بل شريك له في المشروع الوطني. والتنافس بينهما يجب أن يكون في الابتكار، لا في الانغلاق. في الجودة، لا في التمييز الطبقي أو الطائفي.
فهل من إرادة فعلية؟ هل من جدية لبناء مواطن يؤمن بوطنه، لا بزعيمه؟ مواطن يشعر أن له مستقبلًا، لا أنه محكوم بماضٍ لا يملك منه شيئًا؟
الجواب ليس عند السياسيين وحدهم، بل في قرار مجتمعي حاسم: أن نبدأ فعلاً من الجذور، من المدرسة، من الصف، من الكتاب.
فالولاء لا يُفرض... بل يُزرع.













05/12/2026 - 11:58 AM





Comments