بقلم: ناجي علي أمهز
"والله، لو عاد الإمام الحسين اليوم إلى هذه الحياة، لما انتظر منا تعزية، بل لقام هو بواجب العزاء فينا. لو عاد، لترك منبر الخطابة، ولجلس فوق ركام البيوت في قرى الجنوب، يمسح بكساء طهره الغبار عن وجوه الأطفال المذبوحين، ولأجهش بالبكاء علينا حزناً يفتت الصخر، وللطم صدره وجعاً وحرقةً على شيعة لبنان الذين استُبيحت دماؤهم وأحلامهم. الحسين الذي خرج ليفتدي الإنسان بدمه، يرى اليوم، كربلاء ليست في التاريخ، كربلاء هنا.. في كل صرخة طفل تحت الأنقاض، وفي كل دمعة أبٍ فقدَ سنده، والحسين اليوم هو أول الناحبين على وطنٍ صار كفناً."
أعرفُ يقيناً أن طائفتي ستزيد من عزلتي، ونبذي، وربما جلدي أكثر. فأبناء جلدتي، بعد ألف سنة من الظلم والقهر والحرمان، تحوّلوا إلى "مجتمع محارب"؛ يعشق القوة ولا يهاب الموت في سبيل ما يراه حقاً وصواباً. لكنني اليوم، لا أكتبُ لأحاكم التاريخ، بل لأغيثَ "الإله الساكن في دمعة المظلوم"، لأغيثَ الإنسان في داخلي.
إلى أهالي الجنوب.. عذراً ومعذرة. عذراً من عدوٍ غاشم لم يوفر حتى تمثال "سيدتنا العذراء"، وكأن الحقد يريد اغتيال القداسة قبل البشر والحجر. وعذراً من عالمٍ يرمق دماءنا كأنها مجرد أرقام باردة تومض على الشاشات، كأننا "بورصة للموت" يتابعها المستثمرون خلف مكاتبهم الوارفة.
لم أكتب لأنني ضعفت، بل لأن الإنسان في داخلي ما عاد يحتمل هذا القدر الهائل من "القداسة الزائفة" للحروب. عذراً لأنني، وسط هذا الركام، ما عدت أستطيع أن أرفع قبضتي أكثر من قدرتي على رفع طفلٍ من تحت الحجارة. عذراً لأنني كلما حاولت أن أتعلم "القسوة" كما يريدون، خانتني دموعي، وكشفني قلبي أمام نفسي.
نعم، أعرف أنهم سيجلدونني بالكلمات كخارجٍ عن "طقوس القبيلة". فالطوائف التي أرهقها التاريخ، تتحول مع الوقت إلى أممٍ لا تثق إلا بالسلاح، كأنها تخشى أن يراها العالم "ضعيفة" فتعود إلى المقصلة القديمة. لهذا، صار الحزن عندنا تهمة، والبكاء خيانة، والاعتراف بالألم انكساراً لا يُغتفر. ولكن، أيُّ دينٍ هذا الذي يحرّم الأنين؟ وأيُّ نصرٍ هذا الذي يكره الدموع؟
ماذا أفعل إذا كانت روحي لا تزال تؤمن أن الإنسان خُلق ليعيش الأقدار، لا ليعتاد المقابر؟ ماذا أفعل إذا كنتُ، كلما رأيت طفلاً مقتولاً، أشعر أن الحضارة كلها قد سقطت على وجهها أمام صرخةٍ صغيرة لم يسمعها أحد؟
أنا لا أكتب من موقع الهزيمة، بل من موقع الإنسان الذي تعب من رؤية الدم يتحول إلى "حبر" في نشرات الأخبار. أولئك المذيعون والمذيعات.. يا لهول المشهد! فقدوا تفاصيل وجوههم تحت كتل المساحيق، كأنهم أقنعة من شمع. يعددون الشهداء ببرودٍ يقتل القتيل مرتين، بينما الأثير ينهار من حولنا! المذيعُ مُهتمٌ بياقته، والوطنُ بلا كفن.
الذين يربحون الحروب يكتبون التاريخ، أما الذين يتألمون، فهم وحدهم من يكتبون "الحقيقة". والحقيقة هي أنني موجوع. وجعٌ لا يشبه الخطب، ولا بيانات "التحليلات السياسية والعسكرية"، ولا يصلح للعرض السينمائي.
وجعي يشبه أماً جنوبية تجلس أمام بيتٍ صار رماداً، تفتش في الغبار عن "رائحة" ابنها. يشبه عجوزاً يخبئ مفتاح منزله في جيبه، رغم أن المنزل صار حفرةً في الذاكرة.. لا أعرف كيف أصف "حجراً" بناه فلاحٌ بعرق جبينه، وباركه بصلاته، ثم صار هباءً في لحظة حقد.
وجعي يشبه طفلاً يسأل أمه: "هل الطائرات تكره الأطفال؟"، فلا تجدُ جواباً، ولا أملكُ أنا إلا الصمت المتفجر بالبكاء.
إلى أهالي الجنوب.. سامحونا لأن العالم صار بارداً بلا أرواح. سامحونا لأن هذا الكوكب تعلّم كيف يشاهد المذابح وهو يحتسي قهوته الصباحية. أنا لا أبكي خوفاً من الموت، بل أبكي لأن الإنسان صار "أرخص من الشعارات". أبكي لأننا وصلنا إلى زمنٍ يُقاس فيه الوجع بحجم "الاصطفاف السياسي"، لا بنزيف الدم.
سيقولون عني "ضعيف".. لكن، أي ضعفٍ هذا الذي يجعلني أختار حياة طفل واحد على كل خطابات الأرض؟ أي جبنٍ هذا الذي يجعلني أفضّل ضحكة صغيرة على نشوة الانتصارات الملطخة بدموع الأيتام؟ إنني لا أريد لهذه الطائفة أن تُهزم، بل أريدها ألا تخسر "إنسانيتها". فالطوائف التي تنجو بالسلاح وحده قد تربح الجغرافيا، لكنها تخسر "السماء" التي في داخلها.
تعبتُ من الوجوه التي تتحدث عن الدم وكأنه "وقود" للمشاريع، أو حدودٌ لدول لا يعيش فيها الفقراء، بل يسكنها الزعماء الذين يربحون في الحرب كما يربحون في السلام. تعبتُ من الذين يحوّلون المأساة إلى "استعراض بلاغي"، فيما الأطفال يُسحبون من تحت الإسمنت كأنهم قطع مكسورة من وطن محطم.
أريد أن أقول شيئاً بسيطاً، صار في هذا الشرق أشبه بالكفر: نحن بشر. نتعب، نخاف، نبكي.. ونحتاج أحياناً إلى "حضن" الى من يساندنا حتى بالكلمة أكثر من حاجتنا إلى "انتصار نريد ان نحققه لوحدنا".
أيها العالم.. لا أطلب عدالة مطلقة، فالعدالة على الأرض عرجاء منذ قابيل. لكنني أطلب شيئاً واحداً: أن تبقى الإنسانية حيّة. ساعدونا لكي لا تتحول أرواحنا إلى "تراب" من شدة ما ألِفت القبور. ساعدونا لأن الإنسان، حين يفقد قدرته على الحزن، يصبح أكثر رعباً من الحرب نفسها.
وأنا.. لو شتمتني طائفتي والعالم كله، سأبقى منحازاً لذلك الطفل الذي لم يفهم بعد لماذا تُمطر السماء ناراً بدل المطر. سأبقى أؤمن أن "الحياة"، لا الموت، هي المعجزة الأخيرة التي تستحق أن نقدسها. فالله لم يخلقنا لنكون "أرقاماً" في إحصائيات الحروب، بل لنكون "قصصاً" من الابداع والنجاحات في كتاب الحياة.













05/11/2026 - 14:59 PM





Comments