طوني ابو جمره
في الحرب، حين يصبح الموت احتمالًا يوميًا، لا يعود أمام الناس إلا خيارٌ واحد: الحفاظ على حياتهم والنجاة من الموت بكافة الوسائل والأساليب المتاحة، وهذا ما حصل في القرى المسيحية والدرزية والسنية في المنطقة الحدودية بعد أن وجّه لهم الجيش الإسرائيلي إنذارات واضحة بعدم السماح للنازحين من القرى الشيعية بالبقاء في قراهم، وبالعمل على عدم السماح للمقاتلين بالدخول إليها، تحت طائلة طلب إخلائها ، ومن جهة أخرى، اضطر عشرات الآلاف من سكان القرى الشيعية إلى مغادرة بيوتهم قسرًا للحؤول دون تعريض حياتهم لخطر الموت الحتمي بعد أن تلقّوا إنذارات بالإخلاء من الجيش الإسرائيلي بسبب وجود مقاتلي حزب الله في قراهم وبين منازلهم.
إن أبناء القرى الشيعية، الذين يشكّلون غالبية السكان في المنطقة الحدودية والجنوب عامةً، التزموا بإنذارات الإخلاء وغادروا قراهم، لأنهم أدركوا أنّ مواجهة آلة الحرب لا تكون بالأجساد العارية، وأنّ الحفاظ على الحياة واجب ديني وإنساني ووطني ووجودي غير قابل للمساومة أو المقايضة.
وهنا تظهر المفارقة الصارخة: عندما ينفّذ أبناء القرى الشيعية قرارات الإخلاء، يُعتبر ذلك تصرّفًا طبيعيًا وضروريًا ومفهومًا وغير قابل للمزايدة أو النقاش. لكن عندما تسعى قرى أخرى إلى تنفيذ المنطق نفسه تحاشيًا لمواجهة المصير ذاته، تُواجَه بحملات تخوين موجَّهة واتهامات بالعمالة واستفزازات سافرة وتهديدات مباشرة بالويل والثبور وعظائم الأمور، وكأنّ حقّ حماية النفس ورفض الموت حقٌّ مشروعٌ لفئة وفعلٌ محرَّمٌ لأخرى.
إنَّ رفض الحرب رأفةً بالإنسان هو فعل إيمان بواهب الحياة، وبذلك تكمن الفضيلة، والتوق للسلام والعيش الكريم ليس تخلفاً، ورفض تحويل القرى إلى ساحات حرب ليست خيانة، بل مسؤولية وواجب، ورفض تحويل البيوت والأحياء والكنائس والمدارس والحقول الخصبة المعطاءة إلى خطوط تماس ليس عمالة، بل حقّ طبيعي وقانوني ووطني . فمن اختبر مرارة الحرب يعرف أنّ البطولة الحقيقية ليست في جرّ الإنسان إلى الدمار والهلاك، بل في إبعاد شبح الحرب ونتائجها المأساوية عنه.
وأمام هذا المشهد، لا يمكن أن تكون معايير الوطنية مزدوجة: فمن يختار النجاة ليس جبانًا، ومن يحمي بلدته ليس خائنًا، ومن يرفض أن يُهجَّر أهلُه ويُدمَّر بيتُه ليس عميلًا. فالكرامة الوطنية لا تُقاس بحجم الدمار، بل بقدرة الإنسان على حماية أرضه وأهله من عبث الحروب وأهوالها ولهيبها الحارق.
إنّ الذين يعبثون ويستخفّون بحياة البشر، ولا يأبهون لموتهم، ويعتبرونهم مجرد أضحية على مذبح القضايا الزائفة والأوهام السرابية، لا يملكون الحق ولا الصلاحية لتصنيف المواطنين بين الخيانة والوطنية، وبين الوفاء والعمالة، فالوطنية الحقيقية تبدأ من احترام حق الناس في الحياة الآمنة والكريمة، تجسيدًا لإرادة الله وتطبيقًا لشرعة حقوق الإنسان وغيرها من القوانين التي تضع الإنسان، الذي يُشَكِّل جوهر الوجود، فوق أي اعتبارات أخرى.
نحن نتألّم لمشهد الحرب التي أرخت بظلّها الدموي والمدمّر على الطائفة الشيعية المخطوفة، وعلى لبنان عامةً، هذا الوطن الفريد بإنسانه الفذّ، والعريق في تاريخه، والعظيم في تراثه وثقافته النيّرة. ونتعاطف مع القلوب الحزينة، والأجساد الجريحة، والقرى المدمّرة، والعائلات المشرّدة، والشباب الضائع بين التضليل والموت الظالم. لكنّنا نقف عاجزين عن إيقاف هذه المأساة المزمنة، ويستعمر القنوط نفوسنا ونحن نرى وطنًا يجتمع أعداؤه وساسته على نحره خدمةً لمصالحهم وفسادهم وأنانيّتهم الرجسة. غير أنّنا ننظر نحو الغد متيقّنين أنّ الآتي من الأيام لن يكون كالماضي منها وأنّ زمن الباطل قد شارف على نهايته، وأنّ فجر الحقّ سينبلج من عمق الشدائد.













05/11/2026 - 10:54 AM





Comments